الإرادة . ألا ترى أن العلم برد الوديعة ، وبأنها وديعة وبوجوب ذلك لا فرق بين أن يكون ضروريا أو مكتسبا في صحة ما يصح به . وليس كذلك حال الإرادة ، لأنها انما تؤثر متى كانت بمنزلة المراد في أن المريد كان يجوز أن لا يفعلها ويصح أن يقع المراد ، وهي على هذا الوجه الّذي يقتضيه الداعي . /
فان قيل : انه متى كلف الواجب على سبيل استحضار المعرفة والفكر في أدلتها أو تذكر أدلتها ، كان أعظم موقعا منه إذا أداه لا على هذه الطريقة . فيجب من هذا الوجه أن تكون المعرفة واجبة لا ضرورية .
قيل له : كأنك تقول : ان الّذي قرن إلى ما يؤديه من الواجب واجبا آخر أن ثوابه يكون أكثر ، وهذا مما لا ننكره ، لكن نعلم أنه قد يلزم المكلف فعل الواجب ولا تكون حاله هذه ، بل يكون عالما بما يلزمه أن يفعل ، ويكون العلم ثابتا على وجه لا يجب فيه تفكر ولا نظر . فلو أنه تعالى اضطرهم إلى المعارف ، لكانت الواجبات انما تجب على هذه الطريقة . ألا ترى أن المكلّف قبل أن يعرف اللّه ، تعالى ، يلزمه القيام بالواجبات فلا يؤديها الا على هذا الحد ؟ وفي ذلك ابطال ما سألت عنه .
فان قال : أليس الواجبات الشرعيات لا يصح أن يؤديها الا على هذا الحد ؛ فهلا جوزتم ذلك في كل واجب ؟
قيل له : قد بينا من قبل الفصل بين الواجبين ومفارقة أحدهما للآخر في هذا الباب ، وبينا أن الشرعيات وجه وجوبها أن يؤديها على طريق الخضوع والتذلّل للمعبود ، وليس كذلك حال العقليات ؛ وفي ذلك سقوط ما سأل عنه . وبعد ، فان الشرعيات انما يجب أن يؤديها على وجه العبادة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 517
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥١٧