فصل في إبطال قول من ينفى الحقائق
اعلم أن أبا القاسم البلخي ، رحمه اللّه ، منع من مكالمتهم . لأن ما جحدوه هو الأصل ، ولا دليل عليه ؛ فلا تصح محاجتهم . وان كان في / المتقدمين من ناقضهم ، بأن قال : أبعلم قلتم ؟ انه لا علم ولا حقيقة ! فان قالوا : نعم . ثبّتوا العلم . وان قالوا : لا . لم يستحقوا جوابا . وان أظهروا الشك ، قيل لهم : أتعلمون أنكم شاكون ، أم لا ، على سبيل ما تقدم ؟
وبين أن أحدهم ، إذا نزل به المكروه ، يفعل فعل العالم . وعلى هذا الحد أجرى الكلام في كتاب الآراء والديانات . لأنه ذكر فيه ، أن من الناس من نفى العقل والتمييز ، فزعم أن ما شاهده ظن وحسبان .
قال : ومن الغلط مناظرتهم والرد عليهم ، لأن من يزعم أنه لا يعلم أيناظر أم لا ، بل لا يدرى أموجود هو أم لا ؛ كيف يرد عليه ؟ وهل مخاطبته الا كالسكوت عنه ؟ ولا يجوز ، فيمن هذا حاله ، الا التأديب دون غيره ، إذا كان ما يرد إليه ، في المناظرة ، المشاهدات ؛ وقد جحدها ، فكيف يصح أن يكلم ؟ وإذا اعترفوا بجهل المشاهدات ، ولا علم أصح منه ، فكيف يدل على صحته ؟
وقال بعضهم : قد أحلّوا أنفسهم من أوّل وهلة ، المحل الّذي نجتهد أن نلجئهم إليه . لأن آكد ما سقط به قول الخصم أن يلجأ إلى انكار العلوم المتعارفة .