ما نقوله من أن المكلف يجوز أن يقتصر في التكليف على العقليات . فلو أن بعض من خالف في ذلك وزعم أنه لا بدّ من شرع ، تعلق بهذه الدلالة وقال :
ان قدر ما يستحق بالعقليات يقل ويحسن التفضل بمثله فلا بد من شرع ينضاف إليها ، لكان انما يفسد قوله ما قدمنا ذكره . فكذلك القول في صحة ما ذكرناه .
فان قال : إذا لم يكن في العقل ما يقطع به على ما قلناه ، فليس فيه أيضا ما يمنع مما ذكرناه ، فجوّزوا فيما عداهما من التكليف أن لا يستحق به الا القدر اليسير الّذي يجوز التفضل بمثله .
قيل له : انا لا نحتاج ، في الطعن على ذلك ، أن نعلم خلاف ما ذكرته ، بل يكفينا فيه أن نبين أن الّذي قطعت عليه ، ولا يصح دليلك الا بمعرفته ، غير مقطوع به في العقل . وإذا ثبت ذلك ، صح / ما أوردناه من الطعن ، ثم يكون الجواب فيما سألت عنه أنه مجوّز عندنا غير مقطوع به . فلو أنه سبحانه اضطر العباد أو بعضهم إلى المعارف لكنّا نقطع إذ ذاك على أن ما عداهما يستحق به ما لا يجوز التفضل بمثله ؛ فإذا لم يحصل ذلك ، فالواجب التوقف .
فان قيل : فهلا قطعتم على أن كل طاعة يفعلها المكلف يستحق بها ما لا يجوز التفضل بمثله ؟ والا أدى ذلك إلى مساواة التفضل للثواب ، وما أدى إلى ذلك يؤدى إلى تجويز مساواة المتفضّل عليه للمثاب .
قيل له : ان الّذي دل العقل عليه هو أن المثاب يجب أن يستحق ما لا يحسن التفضل بمثله في الكثرة والصفة أو في الصفة وحدها ، على حسب اختلاف الناس فيه ، ولا دليل في العقل يدل على أنه لا قدر يستحق
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 515
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥١٥