أن يكونوا مضطرين إلى المعرفة ، أعنى أهل الثواب والعقاب ، على ما سنبينه من بعد .
وقد استدل شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، على ذلك بأنه قال : انه تعالى لو اضطر العبد إلى المعارف لما حسن منه أن يكلفه ، لأنه كان يكون القدر الّذي يستحقه على أداء ما كلفه من الثواب يسيرا يجوز التفضل بمثله ، أو يقارب ذلك . وهذا يوجب قبح التكليف ، خصوصا من يعلم أنه يكفر . فإذا بطل ذلك ، ثبت أنه تعالى لا يضطر أحدا من المكلفين إلى المعارف . وربما مرّ في كلامه ما يدل على أنه يقول : لو أنه تعالى اضطر إلى المعرفة لكان معرضا المكلف لدون القدر الّذي يجوز أن يعرضه من الثواب ، وهذا لا يحسن .
وربما مر في كلام شيخنا أبى على ، رحمه اللّه ، أنه تعالى لو كلف واضطر إلى المعارف لكان في حكم الملجئ للمكلف إلى أداء ما كلف من حيث يعلم ضرورة حال الجنة والنار ؛ فإذا بطل ذلك ، وجب أن لا يضطرهم إلى المعرفة ، وأن يكلفهم ذلك .
وقد اعتمد شيخنا أبو عبد اللّه ، رحمه اللّه ، في ذلك على أن قال : انه تعالى لا يضطر أحدا إلى المعرفة ، بل يلزمه فعلها ، لأن المتقرر في / العقل أن من يحمل المشقة في بعض الأفعال لكي يفعل غيره ، أن يكون بأن يفعل ذلك الغير أولى منه إذا لم يتحمل المشقة ، متى كانت صفة الفاعل في الحالتين واحدة . يبين ذلك أن من ربّى ولده ليعلمه ، أو اشترى مملوكه ليؤدبه ، أو سافر سفرا لبعض الأمور ، أنه يكون أقرب إلى ذلك الفعل منه إذا حصلت هذه الأمور من غير كلفة . قال : ولا يلزم على ذلك من يتولى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 513
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥١٣