تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
فان قال : فما الدليل على ذلك ؟ قيل له : لأنه تعالى لما أوجب النظر في عقله مع ما فيه من المشقة ، وقد كان يصح أن لا ينفر نفسه عنها ولا يوجبه في عقله ، فيجب أن يكون انما فعل ذلك لكونه مريدا لتعريضه للمنازل السيئة . وهذا يدل على أنه تعالى قد أراد منه هذا الواجب وسائر الواجبات ، ولأن ايجابه في عقله أبلغ من أمره إياه بالفعل . فإذا وجب فيما يأمر به ويرغّبه في فعله أن يكون مريدا له ، فبأن يجب فيما أوجبه أولى . وقد بينا الكلام في ذلك ، من قبل ، ونقضناه ، فلذلك لم يعد . واستدل الشيخ أبو علي ، رحمه اللّه ، في ذلك بأنه تعالى لما نصب الأدلة على معرفته وجب أن يكون موجبا لها وللنظر المؤدى إليها ، والا كان نصبه لها عبثا وتبيان ذلك لا يلزمه فيما يفعله من هذه الأدلة في الآخرة . لأن هناك من حيث اضطرهم إلى المعرفة منعهم من الاستدلال بها ، فلا يكون مؤديا إلى فساد ، ولا يجب بنصبه الأدلة أن يكون مكلفا من ليس بعاقل ، لأنه ممنوع . / ولا يلزم بنصبه الأدلة على المسائل الغامضة أن يكون مكلفا كل أحد النظر فيها ، لأنه يقول : ان أكثر المكلفين كالممنوعين عن النظر في ذلك من حيث لم تتقدم لهم المعرفة بمقدماتها وأصولها . وليس كذلك حال العاقل ، لأنه ممكّن من المعرفة ، والخواطر ترد على قلبه ، والأدلة منصوبة ؛ فلو لم يكلف ، لكان نصبها عبثا . ويقول رحمه اللّه : إذا قيل له انه تعالى نصب الأدلة لكي ينتفع بها من وجه آخر ، لأن الأجسام والأعراض يصح الانتفاع بهما وان لم يستدل بهما أن الشيء إذا صح الانتفاع به من وجهين ، فلو خلقه سبحانه لينتفع به من أحدهما لكان من حكم الغائب من حيث خلقه على وجه يصح فيه