فصل في أنه تعالى قد أوجب النظر والمعرفة على المكلفين
قد بينا ، من قبل ، أنه تعالى انما يوجب الشيء بأن يعرّف المكلف وجوبه ووجه وجوبه ، أو ينصب له الدلالة على ذلك ويريده منه . فإذا ثبت ذلك ، وقد بينا أنه تعالى قد عرّفنا وجوب النظر في معرفته تعالى من حيث قرر في العقول وجوب التحرز من المضار بالوجه الّذي يمكن التحرز منه .
وقد بينا أن الخاطر إذا ورد على الوجه الّذي فصّلناه في بابه ، يخاف العاقل لا محالة خوفا لا يتحرز منه في ظنه الا بالنظر ، فيجب أن يعلم وجوب ذلك عليه ، كما يعلم بعقله وجوب التحرز من سائر المضار ، فإذا صح ذلك ، وكان تعالى هو الفاعل لهذه المعرفة ، فيجب أن يكون هو المكلف لها . ولا فرق بين كون العلم بوجوب هذا النظر بعينه ضروريا أو مكتسبا ، في أن على الوجهين جميعا يضاف وجوبه إليه تعالى ؛ فإن كان في أحد الوجهين أوجبه التعريف ، وفي الوجه الآخر ينصب / الدلالة .
فان قيل : دلوا على أنه تعالى قد أراد ذلك من المكلف ، ليصح القول بأنه قد كلف ؛ لأنه انما يكون مكلفا بالأمر والإرادة .
قيل له : قد بينا أنه لو يرد ذلك لم يخرج من أن يكون قد ألزم العبد النظر والمعرفة وأن يصح أن يقال هذا القول فيه . لكن الصحيح عندنا أنه لا يجوز أن يجعله بتلك الصفة الا ويريد منه ما قرر وجوبه في عقله لتعريف ونصب الأدلة .