غير واجب عليه أن يطلبه لكي يشكره ، وانما يلزمه أن يشكره على الجملة .
فكذلك القول فيما يشاهده من آثار النعم في نفسه ، انه لا يوجب الا شكر فاعله دون طلب معرفته . فلا بد متى قيل : ان معرفته واجبة بعينه أن يرجع فيه إلى دليل آخر سوى وجوب الشكر .
فان قال : ان نعمه تعالى عظيمة ، فهي مخالفة لما ذكرتموه .
قيل له : لو وجب في عظيم النعم طلب معرفة المنعم لكي يشكر ، لوجب مثله في يسيرها . وبعد ، فان النعم في الدنيا في الوجه الّذي بيناه قد تتفاوت ، ولا تختلف في أن معرفة المنعم لكي يشكر غير واجب .
فان قال : أليس يلزم العاقل طلب معرفة آتية إذا علم عظيم نعمه عليه ؟
قيل له : انه لا يلزمه ذلك لكي يشكره وان وجب عليه أن يطلبه ، وانما يجب ذلك لعلة أخرى ، فلا يصح أن يجعله أصلا في هذا الباب ، لأن الخلاف فيه كهو في الفرع .
فان قال : لا يأمن العاقل مع وجوده آثار النعم في نفسه ، متى لم يطلب معرفة المنعم ، أن يكون متعرضا للمضرة ولحرمان ادانتها فيلزمه لذلك المعرفة .
قيل له : ان هذا غير تلك الدلالة ، فلا يؤثر فيما أوردناه عليها لو صح ، فكيف وهو غير صحيح ؟ وذلك لأن معرفته / والقيام بالشكر لا يوجب ، إدامة تلك النعمة ، لأنها تفضل في الثاني كما هي في الأول ؛ فكذلك اخلاله بطلب المعرفة لا يوجب انقطاعها ، فلا يصح الاعتماد على ذلك . وقد شرحنا القول فيه في باب كيفية ورود الخاطر من قبل .
ومما يعترض به على هذه الدلالة أن علم العاقل بأن ما يجده في نفسه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 504
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٠٤