لم ينظر من قبل فلا طريق له الآن إلى أن يبتدئ المعرفة ، فالشك واجب عليه . فكيف يقال : انه يقبح على بعض الوجوه ؟ وإذا صح أنه يحسن لا محالة على كل وجه ، لم يجب أن يكون تعالى مغريا للمكلف بالجهل لو لم يلزمه المعرفة ، لأن له طريقا إلى أن يعدل عنهما إلى الشك الحسن الّذي بينا حسنه . ويبين صحة ما قدمناه أنه رحمه اللّه قد قال في المكلف :
انه لا يلزمه النظر في الجزء والطفرة والمداخلة ، وأن يلزمه إذا خطر شيء من ذلك بباله أن يشك ويقف . وكذلك قولنا في جميع المعارف ، لو لم يكن لايجابه طريق الا هذا الوجه . ولا يجب أن يكون تعالى مغريا بالصغائر ، على ما ذكرناه من قبل ، لأنه تعالى لم يعرفنا أعيانها فنميزها من غيرها فيحصل فيها معنى الاغراء ، ولأنها تضر من حيث تقتضى انتقاص الثواب / فلا نسلم فيها أنه لا مضرة فيها البتة . فأما القديم ، تعالى ، لو عرّف المكلّف أنه لا ضرر عليه في سائر المعاصي ، ليثبت الاغراء لا محالة ؛ ويتعالى اللّه عن ذلك .
فلهذا قلنا : انه يحسن منه تعالى أن يغفر الكبائر ، ويقبح أن يظهر أنه قد غفرها ، لما في ذلك من الاغراء . وكل ما أوردناه يبين أن الاعتماد على هذا الوجه الأول ، الّذي حكيناه في ايجاب المعرفة ، لا يصح . وانما اعتمد شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، في أصل التكليف على دلالة الاغراء ، لأنه بين بها أنه تعالى إذا جعله مشتهيا للقبيح ، وأحوجه إليه ، ولم يغنه عنه ، وقد كان يصح أن يجعله غنيا ، وخلّى بينه وبين الفعل ؛ فلو لم يكن مكلفا لوجب كونه مغريا لقوة دواعيه إلى أن يفعل ما يشتهيه ، لولا علمه بمضرة تلحقه إذا فعل ذلك القبيح . فبين بذلك أنه لا بدّ من أن يستحق
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 501
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٠١