تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
العقاب على القبيح لو فعله ، وذلك يتضمن التكليف . فأما أن يدل على تكليف المعرفة خاصة ، فبعيد . وأما ما ذكرناه ثانيا ، فالاعتماد عليه لا يصح ، لأنه رحمه اللّه بناه على أن القادر منا لا يخلو من الأخذ والترك . وقد صح عندنا بالدليل أنه يصح أن يخلو من ذلك . فإذا صح ذلك فيه ، فكيف يقال : انه تعالى لو لم يكلفه النظر والمعرفة ، لكان قد جعله بحيث لا يمكنه أن ينفك من القبيح الّذي هو الجهل والشك . وقد يصح عندنا أن يخلو من جميع ذلك ، فلا يصح ذلك من وجه آخر وهو أن الشك عندنا ليس بمغنى فيقال : انه يضاد / المعرفة . وقد بينا الحال فيه من قبل ، فيجب أن لا يمتنع خروج العاقل من المعرفة والجهل إلى أن يكون شاكا متوقفا عن كل اعتقاد وظن . لكن الوجه الأول أقوى ، وذلك أن له رحمه اللّه أن يقول : لو ثبت في الشك ما ذكرتموه ، لوجب أن لا يخلو من المعرفة وسائر أضدادها من غير أن أذكر الشك فيها . فلا بد عند ذلك من الرجوع إلى الأصل الّذي قلناه أولا ، وان كان يبعد أن يلتزم القول بأنه لا يخرج عن العلم والجهل إلى الشك . لأن المتعالم من حال المكلف أنه قد يخرج عنهما فيشك في حال ما خطر بباله . ولولا أن الأمر كذلك ، كان لا يصح من المكلف في الابتداء أن ينفك من فعل قبيح ، لأنه كان لا يخلو من المعرفة الا إلى الجهل ؛ وقد علمناه يخلو منهما إلى الشك ، وذلك هو الواجب عليه . وبعد ، فلو صح الأصل الّذي عليه بنى الدلالة رحمه اللّه ، لكانت الدلالة مدخولة . وذلك أنه يقال له : ما أنكرت أن لا تلزمه المعرفة ويقبح منه الجهل ويحسن منه الشك ، فيكون له طريق إلى أن يفارق القبيح . فان قال : انه إذا فعل الشك فقد فعل القبيح ، كما لو فعل الجهل لكان فاعلا للقبيح .