للبهائم من حيث لا مضرة عليهم في فعل ما يقبح ، وذلك لأن معنى الاغراء انما يصح في العالم بالأمور . ألا ترى أنه انما يحصل كذلك متى علم معنى قوله تعالى : لا مضرة عليك في القبيح ، وعلم أن ذلك يوجب زوال المضرة فيخرج من أن يكون خوفه داعيه تجنب القبيح ، وتصير شهوته ومعرفة ما فيه من اللذة داعية الاقدام عليه . وذلك لا يتم الا في العاقل العارف ، فكيف يلزم ذلك عليه ؟
فان قيل : أفيمكن الاعتماد على هذا الوجه فيما أورده رحمه اللّه بأن يقال : انه تعالى لو لم يوجب على العاقل المعرفة ، لوجب كونه مغريا له بالجهل ، والاغراء قبيح لا يفعله الحكيم ، فيجب أن يكون ملزما للمعرفة .
قيل له : لا يصح الاعتماد على ذلك في ايجاب المعارف خاصة . وذلك لأن المكلف له طريق إلى أن لا يفعل المعرفة ولا الجهل بأن يقف ويشك ، والشك ليس بمعنى فيكون قبيحا ، ولو كان معنى لم يجب أن يكون قبيحا فيمن لم تلزمه المعرفة ؛ بل لا يقبح البتة عند شيخنا أبى هاشم ، رحمه اللّه ، وان كان الشيخ أبو علي ، رحمه اللّه ، قد قال : انه يقبح إذا كان الشاك قد / فعله في حال يلزمه فعل المعرفة منها ؛ فأما إذا لم تلزمه المعرفة ، فالشك منه حسن . ولذلك قال : ان الواجب ، في ابتداء حال التكليف ، أن يشك المكلف ، لأنه لا يمكنه فعل المعرفة ؛ فأما بعد ذلك فان الشك يقبح منه ، لأن المعرفة ممكنة بدلا منه . ولذلك قال فيما لا دليل عليه :
انه يجب الشك فيه ، والشك يحسن فيه لأن المعرفة لا تكون واجبة والحال هذه . والصحيح ما حكيناه أولا ، لأن الشك لا يقع البتة الا وفاعله معذور ، لأنه ان لم تلزمه المعرفة فالواجب عليه الشك ، وان لزمته المعرفة فمتى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 500
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٠٠