قيل له : ان صح ما ذكرته ، فإنما يكون إباحة ، لأنه بوجوده يصير دخول الدار وأكل الطعام مباحا ، وليس كذلك حال الجهل لأن بهذا القول لا يصير مباحا البتة .
فان قال : كيف يصح في الشيء أن يكون إباحة في باب ولا يكون إباحة في غيره ، ومن حق الأدلة أن تستمر ولا تختلف ؟
قيل له : إذا كان ذلك الشيء انما دل على الإباحة لوقوعه على وجه مخصوص ، فإنما يجب أن يقتضي الإباحة متى وقع على ذلك الوجه .
وانما أوجب هذا القول إباحة الأكل ودخول الدار ، من حيث وقع من المالك لهما ودلّ على رضاه بذلك وعلى تعجيله النفع والسرور فيهما بدلا من المضرة ، فصار إباحة لذلك ؛ وليس كذلك إذا تعلق بالجهل وغيره ، لأنه لا يقع على هذا الوجه فيه . وهذا بمنزلة نفع الرجل وهبته ، انه يقتضي التمليك فيما يتبعه ويهبه إذا كان ملكا له ، ولا يقتضي إذا كان ملكا لغيره .
وان كان القول قد وجد في الحالين ، لما اختلف الحال في وقوعه على الوجه الّذي يقع عليه . هذا لو صح ما قال ؛ فكيف والانسان لا يكون مبيحا لدخول داره بأن يقول لغيره : لا ضرر عليك فيه ، الا بتعارف متقدم . لأنه ان لم يفترق به ذلك ، وجب أن يكون كاذبا في قوله : لا ضرر عليك في دخول دارى ؛ لأنه يستحق بذلك الذم والعقاب . فأما إذا قال الحكيم في فعل قد تقدمت المعرفة به : لا ضرر عليك ؛ فحاله لا يتغير بهذا القول ، بل يكون قبيحا على ما كان عليه أو حسنا . / فلو أنه تعالى نصّ فقال :
لا ضرر عليك في فعل الجهل ؛ لم يتغير الحال في قبحه عند المكلف . فان أراد تعالى « لا ضرر عليك » على جهة الخبر ، لم يصح لأن المعلوم من
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 498
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٩٨