تكون ما به يصير الشيء مباحا . كما أن التحريك ما به / يصير المتحرك متحركا ، لأنه يستحيل حصول إباحة في العقل ولا يكون مباحا ، كما يستحيل حصول التحريك فيه ولا يكون متحركا . لكن المباح قد ثبت أنه لا يكون مباحا لعلة موجبة . فان أجريت هذه اللفظة على شيء ، فيجب أن تجرى على الدلالة الدالة على أنه مباح ، والخبر عن كونه مباحا .
كما أن الاثبات جعل عبارة عن الدلالة والخبر المقيدين لثبات الشيء ووجوده . فإذا صح ذلك ، وقد علمنا أن الجهل لا يجوز كونه مباحا لأن الدلالة قد دلت على قبحه ومن حق المباح أن يكون حسنا ، فيجب أن لا يصح تعلق الإباحة بها . فكيف يصح أن يقال : انه تعالى لو لم يوجب المعرفة ، لكان قد أباح الجهل ؟
فان قال : الإباحة هي الخبر عن المباح ، على ما ذكرتم ، لكنها الخبر عن أنه لا ضرر على المكلف في الفعل ، فمتى علم ذلك فقد علم كونه مباحا .
ألا ترى أن الواحد منا انما يبيح لغيره الفعل بأن يدله أو يخبره أنه لا ضرر عليه في فعله ، ولو أنه تعالى قال نصّا : لا ضرر عليك في فعل الجهل ، لكان قد أباحه ، فكذلك لو دله عليه ؟ فإذا وجب أن يكون هذا حال الجهل لو لم تكن المعرفة واجبة ، فقد صح ما ذكرته .
قيل له : ان الاخبار عن الشيء بأنه لا مضرة فيه لا يوجب كونه مباحا ، لأنه لو وجب ذلك لاستحال تعلقه بالقبائح ، وقد عرفنا صحة ذلك فيها ، فلا يجوز كون ذلك إباحة .
فان قال : أليس إذا قال الرجل لغيره : لا ضرر عليك في دخول دارى وفي أكل / طعامي ، فقد أباحه ؛ فهلا وجب ما ذكرناه ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 497
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٩٧