أنه مسموم أو ظن ذلك عند أمارة ، دعاه إلى تركه . وهذه الطريقة في باب الداعي والصوارف لا تختلف بالأوقات والأعيان ، وانما تختلف أحوال المكلفين فيها لأن بعضهم يعلم ذلك وبعضهم لا يعلم . فأما مع الاشتراك في هذه المعرفة والاختلاف في كونها داعية ، لا يصح . فإذا ثبت ذلك ، وقد علمنا أن المكلف إذا نظر فعرف التوحيد والعدل ، وعرف أنه مستحق الذم والعقاب على المعاصي ويستحق المدح والثواب على الطاعات ، وأنه يستحقهما من قبله تعالى القادر لنفسه الّذي لا يجوز أن يمنع من فعل المستحق ، كان عند ذلك أقرب إلى اختيار الطاعة واجتناب المعصية ، لما عرفه من حالهما من النفع والضرر فيهما . فيجب أن يحسن منه سبحانه / ايجاب هذه المعارف من حيث كانت ألطافا ، على ما بيناه .
فان قيل : أليس المكلف قد تقع منه المعاصي مع حصول هذه المعارف ؛ فكيف يصح القطع على كونها ألطافا ؟
قيل له : ان اللطف قد يكون لطفا في الفعل بأن يكون الفاعل أقرب عنده إلى أن يفعله ، وان كان لا يختاره لغرض آخر ، ولا يخرجه ذلك من أن يكون لطفا . وقد يكون لطفا بأن يختار الفعل عنده لا محالة . وكل واحد منهما معقول في بابه ، فلا يجوز قصر اللطف على أحدهما دون الآخر .
فيحسن منه تعالى أن يلطف للمكلف من كلا الوجهين . وسنبين ، من بعد ، أنه يلزمه تعالى بالتكليف أن يلطف على الوجهين .
فان قيل : فهلا أوجب تعالى النوافل لأنها داعية كالفرائض ؟
قيل له : انها مسهلة للواجب ، ولا يجب أن يكون التسهيل بمنزلة الالطاف في ذلك . ألا ترى أن العلم بأن في الطريق سبعا ، يقتضي تجنب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 493
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٩٣