فصل في أنه تعالى « 1 » بايجاب النظر يوجب المعرفة
اعلم ، أن الغرض في ايجاب النظر الوصول إلى المعرفة المتولدة عنه . / لأن الوجه ، الّذي له يحسن ويجب ، يقتضي ذلك ، لأنه انما يحسن من حيث يتطرق به إلى زوال الشبه والمعرفة ، فإنما يجب تحرزا من المضرة التي انما يتم الغرض فيها بالمعرفة . فلا يجوز اذن أن يجب الا لأجل المعرفة ؛ فكيف يصح أن يوجب تعالى النظر ولا يوجب المعرفة ؟
فلهذه العلة نقول : انه تعالى إذا أراد النظر من المكلف ، فلا بد من أن يريد المعرفة ؛ وإذا أمر بأحدهما ، فلا بد من أن يأمر بالآخر . فالحكمة تقتضى أن ايجاب النظر يتضمن ايجاب المعرفة ، وأن ايجاب أحدهما غير ايجاب الآخر . لأن اعلام المكلف حال أحدهما غير اعلامه حال الآخر ، وإرادة أحدهما غير إرادة الآخر . لكننا نعلم ، لما قدمناه ، أنه تعالى لا بدّ من أن يوجب المعرفة ويريدها متى أوجب النظر وأراده .
فان قيل : أليس من قولكم : ان السبب يصح من الحكيم أن يريده ، وان لم يرد المسبب ، على ما ذكرتم في أول الكتاب . فهلا جوزتم أن يريد تعالى النظر ، ولا يريد المعرفة ؟
قيل له : انما نجيز ما ذكرته إذا كان الغرض مقصورا على السبب ، فأما إذا كان به المسبب فلن نجيز ذلك البتة . وبينا أن الغرض في النظر
هامش
( 1 ) تعالى : في الفهرس « سبحانه » .