فان قال : أليس انما يصح أن ننظر في حدوث الأعراض بعد تقدم النظر في اثباتها ؟ فقد احتاج هذا النظر في وجوده إلى ذلك النظر .
قيل له : وان احتاج إليه ، فهو غير خارج من أن يتعلق وجوده باختياره ، ويصح أن يبتدئه ، ويصح أن لا يفعله . فيجب أن يتعلق بما تقدم ، كما لا يتعلق ما يفعله من العلم والإرادة بحياة القلب ، وان كانا يحتاجان إليه .
وانما قلنا في أحد الوجهين في السبب والمسبّب ما تقدم ذكره ، لأن بوجوده يخرج من أن يكون متعلقا بالقادر بعد تقدم سببه ، وليس كذلك الحال في ترتيب النظر على النظر . فأما الكلام فيمن لا يفعل النظر الأول ولا يفعل ما بعده من النظر ، فقد بينا اختلاف قوله رحمه اللّه ، وأنه صرح في الجامع الصغير بأنه لا يستحق العقاب بأن لم يفعل النظر المتأخر عند اخلاله بالنظر الأول ، وأنه يستحقه في الحال التي لو فعله وفعل ما قبله لا يستحق به الثواب . ونصّ في نقض المعرفة على أنه متى أخل بالنظر الأول ، وكان المعلوم أنه يبقى إلى الوقت الّذي يمكنه استيفاء جميع الواجب من النظر ، بأنه يستحق عقاب جميعه في حال اخلاله بالنظر الأول . وذلك لأن بانتفاء النظر الأول / يتعذر ايجاد ما بعده من النظر ، حتى يصير في حكم المستحيل منه من حيث كان فرعا عليه أو على العلم المتولد عنه . وإذا وجب انتفاؤه بانتفاء النظر الأول ، على ما بينا ، حل من هذا الوجه محل ما يجب وجوده بوجوده من مسبب السبب . فكما يجب في ذلك عنده أن يستحق العقاب والثواب عند السبب في أحد القولين ، فكذلك القول فيما يجب انتفاؤه بانتفاء النظر الأول . ويبين ذلك أن تعلق انتفاء ذلك بانتفاء النظر الأول أقوى من تعلق وجود السبب بالمسبب ، لأن المسبب قد لا يوجد مع وجود
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 481
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٨١