على أن لم يفعل سائر أجزاء النظر ، وانما يستحقه من حيث أخل بالنظر الأول . فلا يمتنع أن يستحق بهذين عقوبة الجميع في الوقت الأول ، على ما بيناه .
واعلم ، أن الصحيح من القولين ما ذكره رحمه اللّه في الجامع الصغير ، وذلك أن كل جزء من النظر قائم بنفسه في أنه مما يبتدئه المكلف فعلا ، ولا يتعلق وجوده بوجود ما يقدم الا من حيث كان فرعا عليه . لأنه قد يصح أن يطيع في النظر الأول ثم يعصى فيما بعده ، كأنه يطيع في النظر في التوحيد ويعصى في النظر في العدل أو في النظر في النبوات . فصار النظر في النبوات لا تعلق له بالنظر في التوحيد والعدل ، ولا يتعلق وجوده بوجود ما لا يبتدئ فعلا ، ويقع بالدواعي والاختيار ، فهو منفصل عنه على كل وجه . فإذا صح ذلك وجب ، كما اعتبر ما يستحق به من الثواب / في حال ايجاده له لا في حال النظر الأول ، أن يعتبر عقابه في تلك الحال ، فيستحقه إذا لم يفعله في ذلك الوقت ، ولا يستحقه في حال النظر الأول .
يبين ذلك ، ما قدمناه ، من أنه لو استحقه في حال اخلاله بالنظر الأول ، لكان يستحقه وان اخترمه . لأن اخترامه لا يخرج سائر النظر من أن يجب انتفاؤه بانتفاء النظر الأول ، كما يجب ذلك في حال بقائه ، فكان يجب أن يستحق العقوبة في الحالين . وذلك كما نقوله في السبب والمسبب : انه لو استحق عقوبة المسبب في حال السبب ، لم يختلف الحال بين أن يخترم أو يبقى في أنه كان يستحقه إذا وقع المسبب . فكذلك كان يجب أن يستحق مقدار العقوبة على اخلاله بسائر النظر في حال اخلاله بالأول وان اخترمه ، لأن اخترامه كتبقيته في وجوب انتفاء سائر أجزاء النظر . فلو كان كذلك ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 484
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٨٤