واعلم ، أن الّذي بصرناه من هذين المذهبين في شرح الجامع الصغير وغيره القول الآخر ، واعتمدنا في ذلك على أن من حق العقاب أن لا يستحق بالفعل الموجود إذا لم يوجد على وجه يقبح عليه . فبأن لا يستحق به وهو معدوم أولى ، لأن وجوده لا على الوجه الّذي يقبح أقرب إلى وجه الاستحقاق من عدمه . فإذا لم يستحق عليه العقوبة ، والحال ما ذكرناه ، فبأن لا يستحق عليه وهو معدوم أولى .
فان قيل : ان الإصابة وان كانت معدومة في حال وجود سببها / فهي في حكم الموجود من حيث يعلم أنها ستقع لا محالة عن السبب المتقدم ؛ وليس كذلك الحال فيما وجد على وجه لا يقبح عليه ، لأنه لا يقتضي في المستقبل وقوعه على وجه يقبح عليه فيقال : انه يستحق به العقوبة للأمر المترقب .
قيل له : ان الّذي سألت عنه ، إذا صح ، فإنما يقتضي أن يستحق على السبب العقوبة ، من حيث تولّد الإصابة ومن حيث يعلم وقوعها لا محالة .
وهذا مما لا ننكره ، لأنه لا يمتنع فيما لم يقع أن يصير وجها لعظم الواقع ؛ وعلى هذا الوجه نرتب القول في كثير من الأفعال التي تعظم لغيرها . وانما أنكرنا القول بأن فاعل السبب يستحق عقوبة المسبّب وهو غير واقع ، فقلنا : إذا كان لو وقع على الوجه الّذي لا يقبح لم تستحق به العقوبة ، فكذلك إذا لم يقع . وكما ينظر في استحقاق العقوبة بالفعل أن يقع على الوجه الّذي يقبح ، حتى لو وقع في أوله لا على الوجه الّذي يقبح ، ثم انتهى إلى أن يحصل على الوجه الّذي يقبح ، لم يجب أن تستحق به العقوبة في الأول ؛ فكذلك القول فيه ، ما دام معدوما غير واقع . ألا ترى أن من جوّز البقاء على الاعتقاد ، فلا بد من أن يقول في التقليد إذا ضامه العلم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 476
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٧٦