أو مات كان لا يخل ذلك بوجود المسبّب . فمن هذا الوجه صار في حكم الواقع فاستحق به العقاب ، وهذا بمنزلة قولنا : انه إذا أمر غلامه بالعطية ، وأعطى ، فإنه يستحق الشكر ؛ وان كانت العطية من فعل غلامه ، لما صارت كأنها من قبله ولما أثرت في التمليك بأمره فجلب محل فعله في الحقيقة واستحق الثواب بها . فكذلك القول في استحقاق العقاب على ما لم يوجد من المسبّب عند وجود السبب .
وان قال : أفليس قد يجوز أن يوجد السبب ثم يمتنع وقوع المسبّب لمانع ؛ فكيف يصح أن يستحق عقاب المسبّب عنده ؟
قيل له : انما يستحق ذلك إذا كان المعلوم أن المسبّب يوجد ؛ فأما إذا علم أن المنع يقع عنه فلا يجوز أن يستحق فيه العقاب البتة ؛ فكيف يقال :
انه يستحقه في حال السبب أو في حال المسبّب ؟
فان قال : فهذا دليلي عليكم ، لأنه لو استحق العقاب على المسبّب في حال فعله للسبب إذا علم أنه سيوجد ، لوجب أن يستحقه ، وان علم أنه لا يوجد . لأن ما إليه في الحالتين لا يختلف سواء وقع المنع أو حصلت التخلية . ولا يتغير ذلك بتغير أحواله في / القدرة أو العجز أو العلم أو الجهل .
قيل له : انه لا يجوز أن يستحق العقاب على ما لا يقع من القبيح البتة ، لأن استحقاقه يتبع وقوعه كما يتبع قبح الواقع . فلو كان الواقع حسنا ، كان لا يستحق العقاب به ، فبأن لا يستحق ذلك إذا كان غير واقع البتة أولى . فلا بد من كونه واقعا ، وأن يعلم أنه سيقع لا محالة ، فيدخل في حكم الواقع إذا وجد سببه من قبل . فلذلك فصلنا بين الحالين ، وقلنا :
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 468
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٦٨