وقد علمنا أن الرامي بالقوس إذا علم أن الإصابة تقع بمؤمن ، أنه يمكنه التوبة قبل الإصابة . ولولا صحة ذلك ، لأدى إلى أن يقبح تكليفه .
لأنه كان لا يمكنه اخراج نفسه من أن يستحق العقاب ، إلى أن يستحق الثواب بالطاعات التي كلفها . ولولا أن الأمر كذلك لوجب ، إذا رمى ثم مات عقيبه ، أن يكون مستحقا للعقاب على الإصابة بعد الموت بأوقات .
ومن حق الميت أن لا يستحق العقاب على الفعل الواقع في حال موته ، فيجب أن يدل ذلك على أنه استحق العقاب على السبب فيما خصه وخص المسبب جميعا . ولولا أن الأمر كذلك ، لوجب إذا كان السبب صغيرا والمسبب كبيرا أن يكون متى فعل السبب ثم مات قبل وقوع المسبّب أن يكون من أهل الجنة ، ثم صار من أهل النار بعد موته بفعل كان لا يمكنه التقضى منه . وهذا أعظم من قول المجبرة : انه يستحق العقاب بفعل لا يمكنه أن يتركه ويعدل عنه إلى ضده .
فان قيل : انكم متى قلتم : انه يستحق عقاب المسبّب في حال فعل السبب فقد دخلتم في مثل قول المجبرة ، لأنه قد استحق العقاب على فعل لم يحضر وقته ولا يصح وجوده في تلك الحال التي استحق العقاب فيها ، وهذا مضارع لقول المجبرة .
قيل / له : انه وان كان كذلك ، فإنما يتوصل بالسبب إلى ايجاد المسبّب .
فإذا فعله وخرج المسبّب من أن يكون مقدورا له ، صار في حكم الموجود الواقع فاستحق العقاب به وان لم يوجد ، لأنه قد حصل في حكم الموجود بوجود سببه . يبين ذلك أنه بعد ايجاد السبب لو رام أنه لا يوجده لو جد لا محالة ، ولا يتعلق وجوده باختياره ؛ ولو عجز بعد وجود المسبّب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 467
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٦٧