من النظر والمعارف ، فصارا مع وجوبهما مختصين بتصحيح الواجبات لما بعدهما . فيجب أن يكون ذلك وجها في عظمهما ، فيستحق لأجل / ذلك بهما زيادة ثواب ، وبالاخلال بهما زيادة عقاب . كما أن الصلاة ، من حيث كانت لطفا في غيرها من الطاعات ، صارت أفضل من واجب لا يكون لطفا في غيره . والطهارة المصححة للصلاة الواجبة ، يكون ثوابها أكثر منها لو وجبت بانفرادها ولمن تكن وجها في تصحيح غيرها ، وهذا مستمر على الطريقة التي نقولها من أن الفعل قد يعظم إذا أدى إلى منافع كثيرة ، وقد يعظم عقابه إذا فات به المنافع الكثيرة أو استجلبت به المضار العظيمة .
ورأى شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، أن المسبّب لا يوجد الا بسببه ؛ فان أحدنا لو أراد أن يفعله ، ولمّا تقدم سببه ، لاستحال ذلك منه . فقال لأجل ذلك : انه عند السبب يستحق ثواب المسبب إذا كان المعلوم في المسبب أنه يوجد لا محالة . ورأى أن عند وجود السبب قد خرج المسبب من أن يكون مقدورا له ، وصار في حكم الواقع ، حتى لو أراد التوصل إلى أن لا يقع لتعذر عليه ، فحكم بذلك بأنه قد صار في حكم الموجود في باب استحقاقه ثوابه عند ايجاد السبب . ولذلك لا يحسن ، وقد أوجد السبب ، أن يؤمر بالمسبب أو ينهى عنه . كما لا يجوز أن يؤمر بنفس السبب وينهى عنه . فدل ذلك على أنه في باب كونه في حكم الموجود ، بمنزلة السبب . فيجب أن يستحق به ثوابه ويستحق عنده ثواب المسبب . ولذلك يصح / من فاعل السبب أن يتوب فيزيل عن نفسه العقاب الّذي يستحقه بالسبب والمسبّب . ولولا أنه قد استحقهما جميعا قبل ايجاد المسبب ، لما صحت التوبة منه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 466
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٦٦