بخلاف ذلك . لأنه لا بدّ من أن يزيل الذم ويوجب قبح التكليف السابق ، وهذا بمنزلة ما قدمناه من أن من كلف مناولة الكوز فإنه يستحق الذم إذا لم يتعمل لمناولته بقطع المسافة إلى أن يأتي عليه من الأوقات مما يمكنه المناولة فيها . ولا يجوز بدلا من ذلك أن يستحق الذم إذا اخترمه تعالى أو عجّزه قبل الوقت الّذي كان يمكن فيه المناولة . فالعقل قد فصل بين هذين الأمرين .
فان قيل : انه إذا أخل بالنظر الأول ، صار ما بعده من النظر متعذرا عليه حتى لا يصح أن يبتدئه . وهذا يوجب أن لا يكلف ذلك إذا كان المعلوم أنه يترك النظر الأول ؛ لأنه ان كلف ، والحال هذه ، أدى إلى أن يكلف ما لا يقدر عليه .
قيل له : ان النظر الثاني والثالث في مقدوره ، وان أخل بالأول . لأنه يمكنه أن يفعل جنس النظر الا أنه لا يولد معرفة ، لأنه انما يولدها إذا كان ناظرا فيما يعرفه من الأدلة ، ومن حيث أخل بالنظر الأول لم تحصل له المعرفة . والنظر مقدور له في الجنس ، فكيف يقال بأنه لا يقدر عليه ؟
فان قيل : انه لم يكلف أن يفعل النظر على هذا الوجه ، وانما كلف أن يفعله على وجه يؤدى إلى المعرفة ، وليس ذلك في مقدوره . إذ أخل بالنظر الأول ، فيجب أن لا يكلف .
قيل له : لو لم يكن ذلك في مقدوره ، لم يكن جنسه في مقدوره ؛ وانما لا يتأتى منه أن / يفعله لفقد المعرفة ، على ما ذكرناه .
فان قيل : انا نسلم أن ذلك في مقدوره ، لكنه لا يمكنه أن يفعله لفقد العلم ؛ ولا فرق في سقوط التكليف بين فقد العلم فيما يحتاج في فعله إلى العلم ، وبين فقد القدرة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 463
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٦٣