فالمعلوم أنه تعالى سيكلفه غير التكليف الأول ويبقيه أكثر مما يقتضيه التكليف الأول . فيجب ، إذا كان الحال هذه ، أن تلزمه معاودة النظر في معرفة اللّه ، تعالى .
فان قال : وكيف يصح ذلك ، وقد كان الواجب عليه أن يفعل النظر الثاني والثالث ، ومن حقهما أن لا يجتمعا مع النظر الأول ، لأنهما في حكم المتنافى من الأفعال ؛ أفليس ذلك يوجب أنه تعالى قد كلّف / المتضاد وما يستحيل وجوده ؟
قيل له : انه تعالى قد أوجب على المكلف ما ذكرته من النظر الثاني والثالث ، بأن يقدم فيهما النظر الأول . فإذا لم يفعل ذلك ، خرج الآن من أن يلزمه النظر الثاني والثالث لأنه لا يصح منه أن يبتدئهما ولا يجوز أن يوجب تعالى عليه فعل ما لا يصح أن يفعله ، وان كان انما لا يصح ذلك لتفريط تقدم منه . كما أنه لا يجوز أن يوجب عليه ما لا يمكنه فعله ، وان كان الّذي لأجله لا يمكنه ما لا يتصل به . فإذا صح ذلك ، جاز أن يكلف النظر الأول ، لأنه يمكنه معاودته وفعله .
فان قيل : وكيف يجوز في النظر الثاني والثالث أن يقال : قد كان تعالى أوجبهما عليه في هذه الأوقات ، فلما لم يفعل النظر الأول أوجب عليه في هذه الأوقات بعينها معاودة النظر الأول . أفليس ذلك يوجب أنه تعالى أزال في الوقت وجوب ما قد أوجبه ، وهذا يجرى مجرى البدء ؟
قيل له : انه تعالى قد أوجب عليه في الوقت الأول أن يفعل النظر الأول ، ثم يفعل ما يتلوه من الثاني والثالث في هذه الأوقات . فإنما أوجب ذلك عليه بشرط تقديم الأول ، ومكنه من هذا الشرط . فإذا لم يفعله أخرج
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 453
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٥٣