فصل في أن جميع ما يلزمه من النظر حالا بعد حال كالنظر الأول فيما يستحق به من ثواب وبتركه من عقاب .
اعلم ، أن الّذي اقتضى ما ذكرناه في النظر الأول ، يقتضيه في النظر الثاني والثالث وما أولاهما إلى آخر ما يلزمه من النظر . لأن جميع ذلك ، كالنظر الأول في وجوبه ولزومه ؛ فيجب أن يكون كالنظر الأول فيما يستحق به من ثواب وبتركه من عقاب .
فان قيل : ليس الأمر كما تزعمون ، لأن من ترك النظر الأول فقد صار بحيث لا يمكنه أداء ما يلزمه من النظر الثاني والثالث وما بعدهما ، فلا يصح أن يستحق العقاب بأن لا يفعلهما مع أنه لا سبيل له إلى فعلهما ؛ وان كان متى فعل الأول وفعل الثاني والثالث بعده ، استحق الثواب بالجميع .
قيل له : انه الّذي أخرج نفسه بترك النظر الأول من أن يمكنه أن يفعل ما بعد من النظر ، من حيث كان النظر الأول وما يتولد عنه من المعرفة أصلا لما يلزمه من النظر والمعارف من بعد . فإذا أتى من قبل نفسه في ذلك لم يخرج من أن يستحق بأن لا يفعل / النظر الثاني والثالث العقاب لأنه قد لزمه أن يفعل الثاني والثالث بأن يفعل الأول إذا أخل به ولم يمكّنه فعل الثاني والثالث ، لم يخرج من أن يستحق العقاب على اخلاله بالجميع . وهذا بمنزلة وجوب قضاء الدين على المكلّف بقطع مسافة بينه