نفسه من أن يصح أن يبتدئ فعل النظر الثاني والثالث ، فخرجا من أن يجبا عليه ابتداء لتعذر فعلهما عليه ، ولم يخرجا من أن يجبا عليه بشرط تقديم / النظر الأول ليأتي وجودهما على هذا الحد . وهذا كما نقول : ان النصف الثاني من نهار الصوم لزم المكلّف الصوم فيه بشرط أن يصوم ما قبله من النصف الثاني لتعذره عليه ، فلزمه على الوجه الأول ولا يلزمه على الوجه الثاني ، ويصير ذلك بمنزلة الواجب الّذي يجب من وجه ولا يجب من وجه . وذلك غير مستحيل في الأفعال ، لأنه إذا صح فيما يتمكن منه من وجهين أن يلزمه على أحدهما دون الآخر ، فكذلك إذا تمكن من الفعل من وجه ولم يتمكن من وجه آخر لم يمتنع أن يلزمه على الوجه الّذي يتمكن منه دون الآخر .
فان قيل : فكيف يصح ، وقد خرج النظر الثاني والثالث من أن يجبا في هذه الأوقات ، أن يستحق العقاب بأن لا يفعلهما ؟
قيل له : هما وان خرجا من الوجوب على جهة الابتداء ، فإنهما غير خارجين من أنهما قد وجبا على المكلف من قبل أن يفعلهما بأن يفعل النظر الأول قبلهما . فإذا هو لم يفعل المقدمة وتعذر عليه لاختلاله بهذين النظرين كان في حكم التارك لهما ، فاستحق العقاب لذلك ، كما يستحق من لم يدخل في صوم أول النهار العقاب على أن لم يفعل صوم اليوم كله ، وان تعذر عليه لفقد الدخول على وجه صحيح اتمام الصوم .
فان قيل : انه لا يصح أن يكون تاركا لهذين النظرين في هذه الأوقات ، مع أنه يستحيل أن يفعلهما ، لأن ترك الشيء انما يصح في حال كان يصح / أخذه فيها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 454
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٥٤