قيل له : انا لم نقل انه يترك هذين النظرين . لكنا قلنا : انه في حكم التارك لهما من حيث صنعهما مع الوجوب .
فان قال : وما معنى قولكم انه صنعهما ، وهو لا يمكنه أن يفعلهما في هذه الأوقات ولم يمكنه أن يفعلهما في حال وجوب النظر الأول ؟ وهل ذلك الا القول بأنه قد لزمه أن يفعل ما لا يمكنه أن يفعله البتة ، وأنه مضيع لما لا سبيل له إلى ايجاده ! !
قيل له : ليس الأمر كذلك ، لأن معنى قولنا : انه ضيع الواجب ، هو أنه لم يفعل من مقدماته ما لو فعله لأمكنه أن يأتي بالواجب ، لأنه لا يمتنع في الواجبين أن يبنى أحدهما على الآخر ، فإنما يتم فعل الثاني إذا تقدم منه فعل الأول ، ومتى لم يتقدم ذلك تعذر عليه فعل الثاني . فما هذا حاله ، نقول فيه ، متى ترك الأول : انه مضيع للثاني من حيث فوت نفسه فعله من حيث أخل بالواجب الأول . ونقول : انه يستحق العقوبة على أن لم يفعل الثاني من حيث ضيعه ، كما يستحق العقاب على أن لم يفعل الأول من حيث تركه ، فيكون مستحقا للعقاب عليهما لأنه لم يفعلهما وقد وجبا عليه .
لكن أحدهما لم يفعله ، وصح منه الترك ؛ والآخر لم يفعله ، ولا يصح منه الترك . وهذا كما بيناه ، فيمن لم يفعل الصوم في أول النهار وأكل فيه ، أنه يستحق العقوبة على ذلك وقد ضيع صوم باقي يومه من حيث فوت نفسه ، بما فعله أولا ، من اتمامه ، فيستحق / العقوبة لأنه لم يفعل كلا الأمرين . وهذا طريقنا فيمن لزمه أن يحج فلم يخرج في وقته إلى مواقف الحج ، انه بتأخيره الخروج الأول قد ضيع هذه الواجبات من حيث لم يمكنه أن يفعلها وقد ترك الواجب . وهكذا نقول في العقليات ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 455
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٥٥