فصل في بيان صحة العلم والأمارة التي تنبئ عن صحته
اعلم ، أن معنى قولنا : ان العلم صحيح ؛ هو أن نفس العالم تسكن إلى ما علمه به ، وأنه لا يجوز أن يرتاب فيما علمه ، ولا يلحقه فيه ما يلحق الظان والمبخت . وقد بينا صحة ذلك ، من قبل ، فيجب القضاء بأنه صحيح .
ولذلك لم يوصف غيره ، من الاعتقادات ، بالصحة . وهذا بمنزلة وصفنا النظر ، من حيث يولد العلم ، بأنه صحيح ، دون النظر الّذي ليس هذا حاله .
فان قيل : ما الّذي يدل على ما قلتموه في العلم ، مع أن أبا عثمان رحمه اللّه ، يقول ، في الجاهل : ان نفسه قد تسكن إلى ما اعتقده ؛ ومع قول أبى على ، رحمه اللّه : ان علامة العلم ، وما به ينفصل من الجهل :
ليس هو سكون النفس .
قيل له : ان الأدلة تأتى على بطلان كل قول يخالف ما يدل عليه . وقد علمنا أن المدرك إذا كان عاقلا ، وكانت العلل ووجوه اللبس مرتفعة ، فإنه يجد نفسه معتقدا لما أدركه ساكن النفس إليه . ولذلك / ينصرف فيما علمه من ذلك ، على الوجه الّذي يقتضيه الاعتقاد . لأنه إذا رأى النار يتوقاها ، وإذا رأى الماء يتوقى المشي عليه ، وإذا رأى الأرض يمشى عليها ، وإذا رأى السبع يتحرز من الوقوف عنده ؛ ويجرى ذلك منه على طريقة واحدة . فإذا صح ما ذكرناه ، وخالف حاله في ذلك حال الظان والمبخت ، لأن أحوالهما