فصل في ذكر الوجوه التي لوقوع الاعتقاد عليها تصير علما
قد بينا هذا الكلام ، في باب الصفات ، عند الدلالة على أنه تعالى لا يجوز أن يكون عالما بعلم محدث ، وبينا أن الاعتقاد إذا صح منه احداثه ، فلو كان علما لجنسه ، أو لوجوده ، أو لحدوثه ، لوجب أن لا يوجد الاعتقاد الّذي معتقده على ما تناوله الا علما . فإذا بطل ذلك ، وجب أن يكون ما له يصير علما ، اما علة ، أو وقوعه على بعض الوجوه . وقد علمنا أن العلل لا تصح على الأعراض ، لفقد اختصاصها بها على وجه يكون علة دون غيره . فيجب أن يكون علما ، لوقوعه على بعض الوجوه .
ولا يجوز أن يكون ذلك الوجه غير معقول ، لما فيه من ارتكاب الجهالات . ووجدنا المعقول من ذلك ، ليس الا ما نعلم أنه إذا وقع عليه سكنت النفس إلى المعلوم عنده . كما أن وجوه القبح هي ، ما إذا وقع القبيح عليه ، اقتضى في فاعله استحقاق الذم . والّذي يختص بهذا الحكم ، هو وقوعه عن نظر ، وعند تذكر النظر ، ومن فعل العالم بالمعتقد ، وأن يعلم أن الشيء لا يختص بصفة الا ويختص بأخرى ، فمتى علم ما اختص بالأولى فعل العلم باختصاصه بالأخرى . / فيكون وقوعه ، والحال هذه ، يقتضي كونه علما ، نحو علمه بأن الظلم لا يكون الا قبيحا ، والمحدث لا يكون الا من محدث . فإذا علم ظلما مفصلا ومحدثا معيبا ، فعل اعتقاد قبحه وحاجته إلى محدث ، لأجل تقدم العلم للأول .