وبينا أنه قد يكون علما ، بأن يذكر العلم المتقدم بالشيء ، فيفعل العلم في الحال . وقد يكون علما ، بأن يصير المعتقد به عالما ، وان لم يكن في حال فعله عالما . وكل ذلك مما بيناه ، من قبل ، وأبطلنا سائر الوجوه التي قال فيها بعضهم : ان الاعتقاد يكون علما لأجله . نحو قولهم : أنه يكون علما ، لكونه مدركا لما علمه ، أو لمشاهدته الأدلة ، أو لعلمه بها ، أو لأن الطبع اقتضى ذلك فيه .
وقد بينا أنه لا يجب أن يقاس ذلك على الألم ؛ فيقال : إذا جاز أن يكون المدرك ألما ، والمدرك له آلما ، من غير أن يقع الألم على بعض الوجوه ؛ فهلا جاز مثله في العلم ؛ لأن الألم ، قد بينا أنه يعتبر فيما يرجع إلى المدرك له بحال ، لا لحال الألم ، لأنه لا يوجب حالا للحى . وليس كذلك العلم ، لأنه يوجب حالا له . فلا بد إذا اقتضى العلم حالا زائدا على ما يقتضيه الاعتقاد ، أن يكون انما صار كذلك لوقوعه على بعض الوجوه .
لأن حال الحي ، يصح أن تؤثر في ذلك ، سوى ما قدمناه من الوجوه .
وليس يقدح في ذلك ما يقوله المجبرة : من أن حال الفاعل لا يجوز أن يؤثر في فعله . فلا يصح أن يحسن من القديم ، تعالى ، ما مثله يقبح منا ، لكونه ربّا مالكا . وذلك لأن حال فاعل العلم ، انما أثر في كون الاعتقاد علما . لأنه حال معقول ، له تعلق بما تعلق الاعتقاد به ، فسبيله سبيل كون المريد / مريدا ، في أنه يؤثر في كون القول جبرا . ولذلك ، لما صار الاعتقاد علما منه ، لأنه عالم بالمعتقد ، وجب كونه علما من غيره ، إذا كان هذا حاله . وليس كذلك ما قاله المجبرة ، لأنها لم تشر إلى حالة معقولة للفاعل ، ثبتت أنها تؤثر في حسن الفعل أو قبحه .
وقد كشفنا بطلان قولها ، في التعديل والتجوير .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 35
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٥