قيل له : انما يصح منه الفعل المحكم ، لكونه ساكن النفس إلى ما علمه ، لا لأمر يرجع إلى العلم . كما أن الفعل انما يصح منه ، لكونه قادرا ، لا للقدرة ، وان كانت القدرة / هي التي توجب كونه قادرا ؛ وكما أن احتمال الجوهر للأعراض يرجع إلى تخيّره ، لا أن ذاته تقتضى الأمرين .
وهذا أولى مما قاله شيخنا أبو عبد اللّه ، رحمه اللّه . لأنه قال : ان العلم لاختصاصه بحالة واحدة ، يقتضي هذين الحكمين : أحدهما سكون نفس العالم ؛ والآخر صحة الفعل المحكم منه ، إذا كان متمكنا . كما أن وصف الحي بأنه حي ، يقتضي صحة كونه قادرا ، وعالما ، ومريدا ، ومدركا .
قال : وانما يستحيل ذلك فيما يوجب الحكم ايجاب العلة ، لأنه مرجع إلى ذاته . ولا يصح أن يجعل في ذاته على صفتين مختلفتين لنفسه . وهذا مخالف لما قدمناه في العلم ، لأنه يوجب الحكمين لا محالة . وكونه حيا ، يصحّح ولا يوجب ، فالأولى أن يرتب على ما قدمناه .
واعلم ، أن كلام شيخينا ، رحمهما اللّه ، كالدال على خلاف ما قدمناه .
لأنهما يجعلان العلم مقتضيا لسكون نفس العالم ، لوقوعه على وجه لاختصاصه بحال وان كان شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، ربما يذكر مثل ما قدمناه في القبيح والحسن . والّذي قدمناه هو الأولى ، لأنه إذا وجب كون العالم ساكن النفس ، واستحال أن لا يوجب كونه كذلك ، ورجع هذا الايجاب إلى العلم دون غيره ، على ما قدمناه ؛ فيجب أن يكون مقتضيا لذلك ، لاختصاصه بصفة هو عليها ، كما قلناه في الحسن والقبيح وغيرهما .
بل الحال في العلم آكد ، لأن الحكم الراجع إليه لا يتعلق باختيار مختار .
وليس كذلك الحسن والقبيح ، فهو بمنزلة كون الجوهر متخيّرا في أنه انما صح أنه كالعلة في احتماله للأعراض ، / لما كان احتماله لها يرجع إليه دون غيره ، ولا ينفصل عنه .
فعلى هذه الطريقة ، يجب اجراء هذا الباب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 33
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٣