وان ذكر الخاطر الثاني بأن معرفته بالصور الّذي عليه في القبيح لا تدعو إلى اجتنابه ، كان داعيا إلى ما يقتضي الفعل بخلافه . وان ذكر الخاطر الثاني فان جهله بالصانع وبأنه يستحق الثواب والعقاب من جهته أقرب إلى أن يفعل الطاعة ويجتنب المعصية ، كان موردا لما يعلم فساده . فإذا صح ذلك ، لم يثبت كون هذا الخاطر معارضا للأول ؛ وإذا صح أن يعارضه ، فهو مطرح . وهذا في بابه ، بمنزلة ما نقوله لمن يرى التقليد صوابا : لست بأن تقلد المحق أولى من أن تقلد المبطل ، لتساوى حالهما فيما يرجع إلى التقليد . ولا يصح مثل ذلك فيمن اعتقد الحق لدليل ، بأن يقال : لست باتّباع ذلك أولى من خلافه ، لأن الدلالة تقضى على فساد ما عداها .
فكذلك الخاطر الأول يرد بالشواهد المتقررة في العقول وبجمل واضحة عند العقلاء . فإذا اقتضت الخوف من ترك النظر ، لزم النظر والمعرفة .
فالخاطر الثاني لا يجوز أن يورد على لزوم ترك النظر شاهدا في العقل ، لأن شاهد العقل بخلافه . وإذا صح ذلك ، عرى قوله عن أمارة فخرج من أن يقتضي الخوف . وانفرد الخاطر الأول بالخوف ، فلزم النظر وصار الخاطر الثاني تكذبه شواهد العقل ، والأول يصدقه ما تقرر فيه ، فصار ورود الثاني كعدمه في هذا الباب ، لأنه إذا لم يؤثر على ما اقتضاه الأول لم يعتد به البتة .
فان قيل : ألستم قد قلتم من قبل : ان الخبر بانفراده يحصل طريقا للخوف ، وفصلتم / بينه وبين الخاطر ؟ فهلا قلتم : ان الخاطر المعارض ، وأن لم تقترن إليه أمارة ، أنه لا يؤثر فلا يكون وجوب النظر أولى من تركه ؟
قيل له : انما تقول في الخبر المنفرد أنه يعتد به إذا لم يتقدم من المعرفة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 440
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤٠