أن لا يجب النظر والمعرفة أبدا . لأن لقائل أن يقول : لو بعث اللّه ، تعالى ، إلى هذا العاقل أنبياء عدة وأوردوا عليه من جهات الخوف مثل الّذي أورده النبي الواحد ، لكان خوفه أشد ، ثم لا / ينتهى ذلك إلى حد ، وإذا سقط ذلك ، علم أن المعتبر بحصول الخوف من جهة صحيحة ، على ما بيناه ، فإذا ثبت ذلك وكان هذا الخوف على هذا الوجه يحصل بالداعي والخاطر ، وان لم يكن هناك نبي ، كحصوله إذا كان الداعي نبيا ، فيجب أن تكون الحال في ذلك واحدة ، وأن لا يصح أن يشرط في ذلك ما ذكره السائل .
وبعد ، فقد بينا أن المعتبر في حصول هذا الخوف بالأمارات المتقدمة في عقله دون القول الوارد من الداعي ، لأن خوفه انما يحصل لأجلها دون قوله ، فلا فرق بين أن يكون نبيا أو لا يكون كذلك متى حصل منه التنبه على هذه الأمارات . وبعد ، فان المعجزات وان أبانت الشيء من غيره ، فمن لا يعرف الصانع لا يعرف حالها وكيفية دلالتها على صدق من ظهرت عليه .
فوجودها في هذا الباب كعدمها في أنه لا معتبر به ، وأن المعتبر بما بيناه .
فان قيل : هلا جعلتم من شرط الخاطر أن يعرف العاقل في كل نظر يلزمه أنه يؤدى إلى معرفة مخصوصة لكي يعلم الملتمس المطلوب بما لزمه من النظر ؟
قيل له : ان تعريف ذلك لا يصح للناظر في معرفة اللّه ، لأنه متى عرف ما يؤدى النظر إليه حالا بعد حال ، فقد استغنى عن النظر أصلا . لأن الملتمس به حصول هذه المعرفة ، فإذا حصلت أغنت عن النظر . وقد بينا من قبل في أبواب النظر أنه لا يصح من العاقل أن ينظر فيما قد عرفه ليعرفه على الوجه الّذي هو عالم به . وبينا ، أيضا فيما تقدم ، أن العلم باللّه ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 437
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٧