عارض على ما ينظر فيه بعد أن يرد الخاطر بذكر ما ينظر فيه أولا فقط ، أم لا يجوز ذلك ؟
قيل له : لا بدّ في أول ورود الخاطر من أن ينبهه على ترتيب النظر في الأدلة المرتبة ، اما على جملة أو تفصيل ، فإن كان المعلوم أنه لا يرد عليه بيان تفصيل ذلك فيما بعد ، فورود التفصيل واجب ، وان كان المعلوم أن ذلك يرد عليه ؛ فورود الجملة كاف في هذا الباب . والتفصيل من بعد قد يرد عليه بخواطر تحدث من فعل اللّه ، تعالى ، وقد يرد عليه بتعريف سائر الناس ، وكل واحد من الأمرين يقوم مقام الآخر ، على ما بيناه .
فان قال : هلا شرطتم في الخاطر أن يكون هناك / ما يقابله من الخواطر في ضد حكمه ، لأنه إذا انفرد وخوف وبالغ في التخويف ، على ما ذكرتموه ، يصير المكلف كالملجإ إلى النظر ، فيزول التكليف عنه .
قيل له : ليس الأمر كما قدرته ، لأنه وان لم يرد عليه خاطر آخر ، يخوفه من النظر ؛ وأن ما عليه المكلف من شهوة القبح ومحبة اتباع ما يهواه ، يخرجه من أن يكون ملجأ إلى ما نبهه الخاطر عليه . وهذا بيّن من حالنا ، إذا ورد علينا دعاء الداعي في المعارف وغيرها ، لأن الخاطر لا يكون آكد حالا من الداعي ، والداعي إلى المعرفة المخوّف من ترك النظر لا يكون أعظم حالا من الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مع الوعظ الشديد والتخويف العظيم . ومع ذلك فالمقدم على المنكر لا يبلغ حاله حال الملجأ ، لما بيناه من غلبة الشهوة ومحبة ايثار الهوى . فكذلك القول فيما بيناه من الخاطر أن انفراده لا يوجب الالجاء ؛ فكيف يجعل من شرط صحته ، مقابلة خاطر آخر يرد بالضد مما ورد ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 435
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٥