فان قيل : فهلا جعلتم من شرط ورود الخاطر أن يتعقبه تخويف الداعي والواعظ والمخوف حالا بعد حال ، لأنه متى لم يكن الأمر كذلك نبّها عما ورد الخاطر به ونسيه فلا يكون له حكم ، ومتى كان حكمه ما ذكرناه ثبت الخوف ولزم ، وذلك يدعوه إلى القيام بالواجب من النظر حالا بعد حال .
قيل له : ان الخاطر إذا ورد على الصفة التي ذكرناها ، فلا بد من أن يخاف ويتنبه على الأمر / الّذي ألقاه إليه ، ويأخذ في النظر على السبيل الّذي ورد عليه ، ثم ينظر في حاله من بعد فان لحقه سهو فالتكليف عنه زائل في تلك الحال . ولا بدّ من أن يرد عليه من قبل القديم خاطر يتذكر عنده ما سها عنه فيعود إلى أداء الواجب ، ويكون ما يتخلله من السهو بمنزلة ما يعرض لنا من السهو في كثير من الأحوال في أنه يزول عنه التكليف فيما سهونا عنه إلى حين التذكر ، ثم يلزمنا القيام بالواجب .
فان قيل : هلا جعلتم الشرط في الخاطر أن يكون واقعا ممن ظهرت المعجزات عليه ؟ فإنه إذا كان كذلك ، عرف أنه صادق فيما يدعو إليه أو خطر من جهة غيره بالبال ، فيأخذ في طريق النظر . ولأنه إذا كان الداعي كذلك ، يحصل له نهاية الخوف من ترك النظر وغاية الرغبة في فعله .
والقديم ، تعالى ، لا بدّ من أن يقوّى الدواعي على وجه لا مزيد عليها ؛ فهلا قلتم بذلك على ما حكى عن أبي عثمان وغيره ؟
قيل له : لا يخلو العلم بوجوب النظر والمعرفة من أن يحتاج إلى نهاية الخوف وإلى أن يكون المخوّف بصفة الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، على ما ذكرته ؛ أو أن يكفى فيه الخوف من تركه فقط ، وقد علمنا أنه لا حدّ للخوف الا وتصح الزيادة عليه ؛ فلو وجب حصول غايته ونهايته لأدى إلى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 436
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٦