الّذي لأجله يخاف من ترك النظر والمعارف ، لأن الخوف إذا تعرّى من أمارة صحيحة لم يعتد به في وجوب الواجبات ، ويصير بمنزلة الظن الّذي يعترى السوداوى في أنه يدل على نقص الظان ولا يكون له حكم .
وقد كشفنا القول في ذلك ، فلا بد من أن يرد الخاطر إذا خوّف من ترك النظر والمعارف بذكر بيان الوجه الّذي له يخاف . وذلك الوجه هو أن ينبهه على الأمارات التي لها يخاف من ذلك ، ويقول له : « انه قد عرفت قبح أشياء في عقلك لك فيها نفع عاجل لشهوتك له ، ووجوب أشياء في عقلك عليك في فعلها مشقة عاجلة مع نفور طبعك عنها ، وأنت تعلم أنك تستحق الذم على القبيح ، والذم مما يغمك ويؤذيك ويبين عن تفضل ؛ ولا تأمن ، كما تستحق عليه الذم وصار سببا مع انتفاعك به ، أن تستحق به العقاب العظيم ؛ ومتى لم تعرف ذلك ولم تعرف أن لك صانعا ومدبرا .
كنت إلى فعل القبيح أقرب وعن تركه أبعد ؛ فإذا كنت إليه أقرب ، كنت إلى حلول هذا العقاب بك أقرب ؛ فيجب أن تعرف أن لك صانعا صنعك ويضمن لك النفع على الواجب والمضارّ على القبيح لتكون إلى مفارقة القبيح أقرب » . فيكون قد بيّن له الوجه الّذي منه يخاف ترك النظر والمعارف .
فأما الشرط الرابع الّذي ذكرناه ، فواجب . وذلك أن الخاطر لا بدّ من أن يبين وجوب النظر على الترتيب الّذي يجب / عليه . فكما لا يجوز أن يبين وجوب ذلك ولا يذكر ما عنده يجب وما له يجب أو يحسن ايجابه ، فكذلك لا بدّ من أن يبين جملة النظر الّذي يلزمه حالا بعد حال ، لأنه يقبح ايجاب أوائله ولمّا تجب أواخره ، ولأنه لا يعرّف المكلف في ما ذا ينظر حالا بعد حال ، وما المتقدم في ذلك وما المتأخر . فإذا لم يبين ذلك كان موجبا له من وجه لا يجب لأجله فيقبح ايجابه عليه ، على ما تقدم القول فيه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 433
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٣