عرفته كنت إلى التباعد منه أقرب ، لأنك تجد استحقاق الذم على القبيح مع ما يؤثر فيك من غم ونقيصة ، فلا تأمن به أن تستحق به المضار العظيمة .
فإذا نبّهه على ذلك ، كان قد نبهه على الوجه الّذي له يجب النظر والمعرفة ، لأن / وروده بذلك هو الخاطر . فإنما يجب ذكر شرائطه دون ذكره ، فبدأنا بذكر الوجه الّذي له يجب النظر والمعارف ، وهو الّذي يبين من حال الخاطر أنه يتضمن ذكر وجوب المعرفة باستحقاق العقاب على القبيح من جهته تعالى ، واستحقاق الثواب بالواجبات وتروك القبائح من جهته تعالى .
لأنا قد بينا أن هاتين المعرفتين هنا اللطف وفيهما يتبين وجه اللطف ، وأن ما عداهما انما يحتاج إليه لأنهما يتفرعان عليه أو لأنهما لا يقعان على الوجه الّذي يجب حصولهما عليه الا معه . فإذا ثبت ذلك ، وجب ذكرهما في الخاطر ، لأن في ذكرهما ذكر الوجه الّذي له تجب سائر المعارف . وقد بينا أن ذلك مما لا بدّ منه ، فلا يجب أن يقال : ان ذكر وجوب المعرفة بالثواب والعقاب شرط آخر سوى ما قدمناه ، لأنه داخل فيه . فأما ما ذكرناه من الشرط الثاني في أن الخاطر يجب أن يتضمن ذكر الخوف من ترك النظر والمعارف ، فلأنا قد بينا أن لمكان الخوف يلزمه النظر والمعارف ، ولولا حصوله لما لزما ولما وجبا . فلا بد اذن من أن يتضمنه الخاطر ، لأنه السبب الّذي عنده يجب النظر والمعرفة . فكما لا بدّ من ذكر الوجه الّذي له يحسن منه تعالى الايجاب وهو كونه لطفا ، فكذلك لا بدّ من ذكر الوجه الّذي له يعلم المكلف وجوبهما وهو حصول الخوف من تركهما . وقد بينا ، في فصل مفرد من قبل ، أن النظر انما يجب للخوف من تركه على وجه مخصوص ، فلا وجه لإعادته الآن . وانما شرطنا ، / في هذا الباب ، الوجه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 432
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣٢