فتعرف أن لك مدبرا صانعا لم تأمن من ظلم يلحقك . فكما أن هذا لا يحسن في الحكمة لقبح الظلم على كل حال ، فكذلك ما ذكرناه . وهذا كله صحيح ، الا ما ذكرناه في النعمة الباقية ، فانا جرينا فيها على ما ذكره شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه . وغير ممتنع عندنا أن يحسن منه تعالى أن يسلبه النعم ، وان كانت باقية . لأنه يجوز أن يملّكه إياها إلى غاية ، فإذا جاء الوقت حسن منه قطعها من غير عوض إذا كان المعلوم من حاله أنه لا يغتم بذلك ، وان كان يغتم ، فلا بد من أن يعوضه على الغم ، لا عليها ، لكن ذلك لا يقدح في صحة ما ذكرناه ، لأن الكلام فيه بيّن على كلا / المذهبين .
فأما ما ذكره من ذكر النعمة ، وأنه ان لم يعرف أن له مدبّرا لم يمكنه القيام بشكره نعمه ، فسنبين من بعد أنه لا يجوز ايجاب النظر والمعارف لأجل ذلك ، وأن معرفة المنعم لا تجب لكي يشكر فقط وانما تجب لأمر سواه ، فإذا ثبت ذلك بما نبينه ، لم يتضح كونه وجها لوجوب النظر والمعرفة . وأما ما ذكره من أنه لا يأمن من نزول المضارّ به ، فان أراد بذلك العقاب وبيّن الوجه في ذلك ، فهو الّذي قلناه ، لأنه متى ترك الواجب وأقدم على القبيح ، لم يأمن ذلك ؛ وان أراد سواه من مضار الدنيا ، فذلك مما لا يستحق بفعل القبيح . فورود الخاطر به لا يحسن ، فقد ثبت أن الّذي ذكره رحمه اللّه من هذه الأفعال لا يصح ، وأن الصحيح ما حكيناه عن أبي هاشم ، رحمه اللّه ، من أنه يقول : انظر لتعلم أن لك صانعا صنعك ومدبرا دبّرك ، وتعلم استحقاق الثواب من جهته على فعل الواجب والعقاب على فعل القبيح . ومتى لم تعرفه وتعرف هذا الثواب والعقاب ، كنت إلى فعل القبيح أقرب ، لأنك تجد شهوته فيك ، وأنت إذا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 431
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣١