تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
الحكمة إذا أراد تعالى تكليف العبد أن يفعل فيه هذه الدواعي أو يمكنه من فعلها . لأن ما يكون عنده أبعد من فعل القبيح وأقرب إلى فعل الحسن الواجب ، يجرى مجرى نفس الواجب ، والامتناع / من القبيح في أنه تعالى يجب أن يلزم المكلف كما تلزم الواجبات في عقله . وهذا باب منفرد بنفسه ، لا يجب أن يحمل على سائر الألطاف . فسواء ثبت في المعرفة أن المكلف يختار عندها الواجب لا محالة أو الامتناع من القبيح ، أو لم يثبت ذلك ، فالحال لا تختلف . لأنه لا يمتنع أن تثبت للعبد الأمور التي يكون معها أبعد من فعل القبيح ويفعله مع ذلك ، والأمور التي يكون معها أقرب إلى فعل الواجب ولا يفعله مع ذلك . وهذا بمنزلة ما نقوله في النبوات : انه تعالى إذا بعث نبيا ، فلا بد من أن يجنّبه الأمور المبعدة عن القبول منه ، لأن عند هذه الأمور يكون المكلّف أقرب إلى القبول منه ، وان كنا نجوّز مع ذلك أن لا يقبل لأمور تعرض له ، ولا يمتنع ذلك من أن يكون ما ذكرناه في الحكمة واجبا ؛ فكذلك تجويزنا فيمن يفعل المعرفة أن لا يختار الواجب . والامتناع من القبيح لا يخرجها من أن تكون واجبة لكي تكون أبعد من فعل القبيح وأقرب إلى فعل الواجب ، ولا يلزم ، على ما ذكرناه في المعرفة ، القول بأنه تعالى لا بدّ من أن يعد ويتوعد ويرغّب بالسمع ليكون المكلف أقرب . وذلك أنه إذا علم بعقله استحقاق الثواب بالواجب والعقاب بالاخلال به ، كان السمع مؤكدا ، فلا يحصل له المعنى الّذي ذكرناه في المعرفة ، فلهذا وجب كونه موقوفا على الدليل ، وان علم / تعالى أنه مصلحة فعله ، والا جاز أن يقتصر بالمكلف على ما في عقله . وليس كذلك حال العلم بالثواب والعقاب ، لأن ما يحصل به من الحكم الّذي ذكرناه لا يقوم