قيل له : إذا كان القتل على تدريج فغير ممتنع أن يكلف ، ويكون انتفاء حياته في آخر الأمر بفعل يفعله تعالى ؛ فأما إذا كان على خلاف هذا الوجه ، فلن يجوز منه تعالى أن يتعبّده به لأن القتل لا صفة له تجب على المكلف لأجلها كالعقليات . فان وجب ، فإنما يجب من حيث كان لطفا ، ولا يصح كونه لطفا الا فيما يتأخر عنه بوقت واحد . وذلك يستحيل ، لخروجه / بالقتل من أن يكون مكلفا ولم يثبت . وثبت أنه تعالى يعبد بالقتل ، على خلاف الوجه الّذي ذكرناه . فيجب أن يجرى القول فيه ، على هذا الوجه .
فان قيل : انكم قد اعتمدتم على أن هذه المعارف ألطاف ، ولها ما حسن منه تعالى ايجابها ، وعندكم أن اللطف من حقه أن يختار المكلف عنده بعض الواجبات أو اجتناب بعض القبائح ؛ أفتقطعون من حال المعرفة على ذلك أم تثبتونها لطفا من غير هذا الوجه ؟
قيل له : قد ثبت أن العلم بأن في الفعل نفعا يدعو إلى فعله ، والعلم بأن فيه ضررا يصرف عن فعله . ومتى لم يثبت هذا صارفا وذاك داعيا ، لم يصح اثبات شيء من الدواعي والصوارف ، لأن هذا الباب هو من آكدها .
حتى أن العاقل إذا علم أو اعتقد المنفعة العظيمة صار ملجأ إلى الفعل ، ومتى عظمت المضرة صار ملجأ إلى الترك ، فيخرج عند ذلك من أن يكون مكلفا لقوة هذه الدواعي . وإذا صح ما ذكرناه ، وكان النفع اليسير يدعو إلى الفعل ، وكذلك المنقطع المتنغّص ، فالنفع الدائم الّذي لا يشوبه تنغيص أولى أن يكون داعيا إلى الفعل ، وكذلك حال المضرة التي هي عقاب ، أن العلم بها يدعو إلى الانصراف عما يستحق بها . فإذا صح ذلك ، وجب في
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 425
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٢٥