قيل له : ان المكلف ابتداء لا يصح أن يعلم ذلك ، لأن الدلالة التي بها يعلم ذلك تتعلق بحكمته تعالى ، وأنه لا يجوز أن يكلّف أمرا ولا يكلّف ما هو الغرض فيه ، على ما بيناه . وانما تصح معرفة ذلك إذا حصل عارفا باللّه تعالى ، وبتوحيده وعدله ؛ وليس هذه صورة من كلف المعرفة اللّه .
فلا يصح أن يعرف ذلك ، كما لا يصح في تلك الحال أن يعرف النبوات ، وان صح أن يعرفها من بعد . فأما غير ذلك المكلف فقد يجوز أن يعرف من حال المكلف ابتداء ما ذكرناه ، وعلمه بذلك من حال غيره لا يكون اغراء ، لأن العلم إذا كان لزيد بأن عمرا يبقى لم يجز أن يكون اغراء لعمرو ، ولا يصح أن يكون اغراء له ، لأنه علم بحال غيره لا محالة ، ولأنه / علم قد حصل له بعد ما استوفى ما يلزمه من المعارف . فقد خرج من أن يصح فيه معنى الاغراء هذا ، ان صح أن يعرف هذا العاقل أن المكلف كلف في وقت معين ، لأن ذلك مما تبعد معرفته . لأنه لا أحد الا ويجوّز في كل وقت أن يكون ابتداء حال تكليفه ، ويجوّز أن يكون حال تكليفه قد تقدم ، ويجوّز في كثير ممن يظنه مكلفا أنه غير مكلف لأمور لا يمكن معرفتها . فإذا كان الأمر كذلك ، لم يمكن القطع على أن الانسان يعلم من غيره أنه يبقى لا محالة أوقاتا ، فأما من نفسه فإنه يتعذر على كل حال .
فان قال : فيجب إذا عرف اللّه ، تعالى ، وتكامل علمه بالتوحيد والعدل ، ثم دخلت عليه شبهة ، أن يعلم في الثاني إذا أخذ في المعرفة أنه يبقى لا محالة ، وهذا يوجب كونه مغرى بالقبيح .
قيل له : ان تلك الشبهة إذا قدحت في التوحيد والعدل ، خرج من أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 422
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٢٢