إلى مفارقة القبيح وفعل الواجب ، فلا بد من أن يكون لطفا في أفعال تقع بعده .
فان قال ، فيجب على هذا أن لا يكون بأن يكون لطفا في بعض ما يتأخر عنه أولى من بعض ، لأن حكمه مع جميع القبائح والواجبات لا يختلف من حيث كان الوجه الّذي لأجله صار لطفا لا يختص به بعض القبيح دون بعض .
قيل له : ان الّذي يقطع عليه لا بدّ من كونه لطفا في بعض ما يكلف من الأفعال بعده ، فأما كونه لطفا في جميعه فهو على حسب ما يختاره تعالى من تكليفه ، فان مدّ في تكليفه فيجب كونه لطفا في ذلك القدر .
فان قال : إذا كان كونه لطفا حكمه مع جميع ما يكلف حكما واحدا ؛ فهلّا وجب أن يكلفه الجميع ؟
قيل له : ان الّذي يجب في هذا الباب أنه تعالى متى كلف الفعل ، فلا بد من أن يكلف ما هو لطف في ذلك الفعل ، قلّ أم كثر من الأفعال . فأما إذا كلف اللطف ، فلا يجب أن يكلف كل ما يصح أن يكون لطفا فيه ، بل متى كلفه تعالى فعلا واحدا فقد دخل ذلك التكليف في الحكمة .
فان قيل : فيجب إذا كلف تعالى العبد المعارف أن لا يجوز أن يخترمه قبل أن يفعلها ، لأنه يؤدى إلى أن كلفه ما هو لطف ولم يكلف ما بعده مما هو لطف / فيه .
قيل له : كذلك تقول انه تعالى إذا كلف أول المعارف ، فلا بد من أن يكلفه ما بعده من المعارف على الترتيب ، إلى أن يكلفه المعرفة باستحقاق العقاب على القبائح والثواب على الطاعة ، فيكون عن فعل القبيح أبعد .
ولا بدّ مع ذلك من أن يبقيه بعد ذلك القدر الّذي يكون فيه مكلّفا للأفعال ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 419
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤١٩