فقد حصل فيه معنى اللطف ، على ما نقوله في هذا الباب . فلهذا فرقنا بين الأمرين .
فان قيل : فيجب في كل ما يفعلونه من العلوم أن يكون لطفا .
قيل له : ان كان مما لا يتم معرفة العقاب والثواب ، وما عنده تصح معرفتهما الا معه ، فكذلك نقول فيه . فان استغنى عنه في ذلك على كل وجه ، فهو بمنزلة العلم بالصناعات إلى غير ذلك ، في أنه لا مدخل له في هذا الباب . ولهذا لا يعد العلم بالحساب واللغة لطفا ، وليس كذلك حال ما يفعله العبد من المعارف ، لأن عندها يختار تجنب القبيح أو يبعد عن فعله ، ولولاها كان يصح أن يفعله ويكون أقرب إلى فعله فقد حصل فيه معنى اللطف ، على ما نقوله في هذا الباب . فلهذا فرقنا بين الأمرين .
فأما ما به تقوى المعارف التي ذكرناها أو تنحل عنده الشبه الداخلة في باب التوحيد والعدل ، فلا يمتنع أن يكون لطفا . لأن من حقه أن يثبت العلوم التي ذكرناها معه ، ولولاه كانت تزول ولا تثبت . فلهذا يجب على العاقل النظر في حال الشبه ، كما يجب عليه النظر في الأدلة ، لأن موقع هذا العلم كموقع ذلك العلم في الحاجة إليه ، من الوجه الّذي بيناه . وان كان متى لم تعرض الشبهة لا يلزمه النظر ، فيختلف لزوم ذلك بحسب اختلاف حال العاقل فيما ورد على قلبه .
فان قيل : فان كانت المعارف التي ذكرتموها ألطافا ، فيجب أن تكون الطافا / في أمر يقع بعدها ؛ لأن من قولكم : ان اللطف يجب أن يتقدم ما هو لطف فيه من الأفعال .
قيل له : كذلك تقول ، لأن هذه المعارف إذا حصلت للعبد كان أقرب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 418
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤١٨