وأما قوله : ان الغرض بالخاطر حصول الظن فبأن يجعل نفسه الظن أولى من أن يجعل كلاما يؤدى إلى الظن ، فبعيد . وذلك أنا قد بينا أن نفس الظن لا يصح أن يفعله تعالى فيه على الوجه الّذي يكون سببا لوجوب النظر والمعرفة ؛ فإذا لم يصح ذلك فيه وجب أن يكون كلاما . ولا فرق بين من قال ذلك ، وبين من قال إذا كان الغرض بالظن أن يفعل النظر والمعرفة ، ثم يقوم بالطاعات ؛ فهلا فعل تعالى فيه هذه الأمور ؟ فكما يبطل ذلك بأن هذه الأمور لو كانت من فعله تعالى ، لبطل الغرض المراد بها وهو التعرض للثواب ، فيجب أن تكون من فعله ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه من الظن .
وقوله : ان الأمور قد تخطر ببال الانسان ولا يجب أن يكون ذلك كلاما ، بل يكون معنى موافقا في النفس ، فكذلك / الخاطر بعيد . وذلك لأنا لا نثبت الخاطر من كل وجه وفي كل باب الا كلاما ؛ فالقول في الجميع واحد . وان كنا لا نبعد أن يسمّى ما يعتقده الانسان ، عند بعض الأمارات فيخاف عنده في باب الدنيا ، خاطرا . وقد بينا أن الخاطر الوارد في باب الدين خاصة لا يجوز أن يكون اعتقادا ، فليس الا أن يكون كلاما . وان كان لو تنبه العاقل من ذي قبل ، فعرف من حاله ما ينبهه الداعي والخاطر عليه لخاف ، ولجاز أن يسمى ذلك خاطرا على جهة المجاز . فان أراد مريد ذلك بالخاطر الّذي ليس بكلام ، فهو صحيح ؛ ولا يدفع ذلك صحة ما ذكرناه .
وقوله : ان كان الخفي من الكلام خاطرا ، فيجب في الجهير ذلك ؛ فإذا لم يقل ذلك في الخطاب الّذي يقع من الداعي المخوّف ، فبأن لا يقال
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 410
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤١٠