كلام الداعي مقامه . فيجب أن يكون كلاما ، لأنه لا بدّ من أن يتضمن كل الفوائد التي يتضمنها تخويف الداعي ؛ وهذا يوجب ما ذكرناه .
وقد قال رحمه اللّه : لو كان ظنا ، والظن اعتقاد ، لوجب أن يكون علما على ما فسرناه من قبل .
وهذا ، على ما ذكرناه ، غير واجب ، لأن من قول أبى على ، رحمه اللّه : ان الظن سوى الاعتقاد وأنه مخالف له . وانما بنى ذلك على أصله ، وهو غير مسلّم ، فالأولى ما قدمناه .
فان قيل : أليس العاقل إذا ابتدأ وفكر في أحوال نفسه فتنبه على ما تنبه بالخاطر عليه ، حصل الخوف ، وهذا لا يكون الا باعتقادات وظنون يبتدئها عند علمه بحاله ؟ فهلا جاز أن يفعل تعالى فيه منبها عند علمه بحاله ، فيكون له هذا الحكم أقوى من حيث حصل فيه من فعل اللّه ، تعالى ؟
قيل له : ان العاقل عندنا لا يحصل له الظن ابتداء ، بل يحصل عقيب أمارة تصورها من نفسه ، وعلم ثبوتها ، وأحال فكره فيها ، وعلم كيفية تعلقها بما يظنه ويخافه . فعند ذلك متى فعل الظن ، خاف خوفا صحيحا لزمه النظر عنده . وانما صح كون ذلك أمارة لما قدمناه من أنه إذا كان هو الفاعل للظن أثرت الأمارة فيه . فأما القديم ، تعالى ، فان فعل الظن مع هذه الأمور ، كان مضطرا إلى الجميع ، فلا يصح له هذا الحكم . فان فعل الظن وحده ، كان بمنزلة المبتدئ الّذي لا حكم له ، لأن هذه الأمور لا تؤثر فيه .
وبعد ، فإنها إذا حصلت للعاقل ، فعل الظن عندها لا محالة ، فلا وجه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 408
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٠٨