لكنه جعل أسماء لم تحصل عنده من اعتقاد العاقل . ونحن لا نمتنع ، فيمن ورد الخاطر عليه ، أن يعتقد اعتقادا أو يظن ظنا . ولولا ذلك ، لم يحصل الخوف الّذي يجب عنده النظر .
وبعد ، فان الخاطر من فعله تعالى ؛ فكيف يصح أن نثبت اعتقادا من فعل المكلّف ، فهذا في نهاية البعد . ولا يجوز في الخاطر أن يكون ظنا ، لأن الظن إذا ورد مبتدأ على القلب بلا أمارة لم يعتد به . فلا يخلو ما يفعله سبحانه من الظن على هذا القول من أن يفعله عن أمارة أو يفعله مفردا عنها . فإن كان مفردا عن الأمارة ، لم يكن له حكم ، وصار كمن يظن الأمور على جهة الابتداء في أن ذلك ينبئ عن نقصه ولا يتعلق بظنه الأحكام التي من حقها أن تتعلق بالمظنون . وان كان يفعل الظن عن أمارة ، فمن حق الأمارة أن تؤثر في الظن إذا كان الفاعل له من الأمارة أمارة له . فأما من تستحيل عليه الأمارات ، فغير جائز أن يفعل ظنا وللأمارة فيه تأثير ، كما أن النظر يؤثر في الاعتقاد إذا كان الناظر هو العالم ، والأمارة تؤثر في المراد إذا كان الفاعل له هو المريد . ولذلك لو وجدت الأمارة ، وفعلنا الظن من غير أن نعملها على الوجه الّذي هي أمارة عليه ، لم تؤثر في الظن . فكيف يصح أن يقال : انه من فعله / تعالى ، وتؤثر هذه الأمارات فيه ؟
وبعد ، فالأمارات التي ذكرها لا تخلو من أن تكون ظنا أو اعتقادا أو كلاما ، وليس هو ممن يثبت كلاما أو ما يجرى مجراه ، فيجب أن يكون اعتقادا أو ظنا . ولا بدّ من تناولهما لمعتقد مخصوص ليصح كونهما أو كون أحدهما أمارة . فان تناول هذا الاعتقاد نفس الظن ووجوده
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 406
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٠٦