اما أن يفعله اللّه تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله ، ولا يجوز أن يكون سواه ؛ ولذلك أغنى دعاء الداعي وخطابه عنه ؛ ولو كان غير كلام ، لم ينب منابه . قال : ولأنه يجرى في بابه / مجرى تخويف المخوف من سلوك طريق بأنه لا ماء فيه ، فيجب أن يكون كلاما . وجعل هذين الوجهين كالدلالة على أن الواجب من قول أبى على ، رحمه اللّه : انه كلام ، لأنه قد استشهد بذلك في كتبه . وقال رحمه اللّه : ولا يجب إذا أثبتناه كلاما أن يكون تعالى مكلما لكل الخلق على الحد الّذي كلم موسى ، كما لا يجب إذا جعلنا قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ »
« 1 » ، كلاما وخطابا لجميع المكلّفين ، أن يكون مكلّفا لهم أجمع على حد ما كلم موسى .
وانما اختص موسى ، صلى اللّه عليه ، بذلك لأنه تعالى كلمه على وجه مخصوص لم يكلّم عليه غيره ، ولأن في العقلاء من لا يرد عليه الخاطر أو يغنى عنه دعاء الداعي أو يفكره من ذي قبل . فلا يجب أن يكون تعالى مكلما للكل ، سيّما وقد يجوز في الخاطر أن يكون من فعل بعض الملائكة ، فلا يجب أن يكون تعالى مكلما له ، على أن هذا الكلام لخفائه لا يقال في فاعله : انه مكلّم لمن أورده عليه ، كما لا يقال في وسوسة الشيطان : انه كلام لنا ، وأنه قد خاطبنا .
وقال رحمه اللّه : لو كان اعتقادا ، لكان المخطر بباله مضطرا إليه ، والمتعالم من حاله خلاف ذلك ؛ ولو كان ظنا ، لحل محل الظن المبتدأ ، لأنه تعالى لا يجب أن يفعله فيه بأمارة ؛ فكان ذلك ينبئ عن نقصه ، وكان يجب أن لا يكون سببا لوجوب النظر . وفي بطلان ذلك دلالة على أنه من
هامش
( 1 ) من الآية 1 النساء .