يجب من حال الداعي ما وصفه ؛ بل أكثر الدعاء إلى اللّه يقصدون بما يأتون طريقة النصح والاشفاق والدعاء إلى الخير ، وان كانوا يؤملون بما يفعلون لأنفسهم جزيل الثواب . ولو جاز أن يقال فيهم ما ذكره ، لجاز مثله في سائر من يأمر بالمعروف ويعظ . فإذا لم يصح ذلك فيهم ، فكذلك في الدعاة ، على ما ذكرناه . فان قيل : ان الكلام وان سلم لكم في الداعي ؛ فيما أنكرتم أن الخاطر لا يقوم مقامه من قبل أن الداعي يشاهد ويعرف مقاصده باضطرار ، وليس كذلك حال الخاطر ؟ ولأنه انما يفهم معنى الكلام من شعر به ، فأما وهو لا يشعر بالخاطر أصلا ، فكيف يفهم معناه ؟ أفبما يجب أن يعرفوا بذلك أنه بمنزلة المخبر إذا لم يسمع خبره أو بمنزله من يتكلم بما لا يعرف معناه ؟ وإذا كان الخاطر ليس بطريق للعلم ، فكيف يساويه في باب التخويف ؟
قيل له : ان الخاطر هو كلام يفهمه من يرد عليه ، وسنبيّن / ذلك من حاله . ولو كان ظنا واعتقادا كما قاله شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، لكان لا يمتنع أيضا أن يقوم مقام دعاء الداعي . لأنه يقتضي الخوف للأمارات المضامّة له ، لا بنفسه . فكيف لا يكون بمنزلة الخبر الواقع من الداعي ؟
وقد قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : ان الخاطر مع ما ينضاف إليه من الأمارات ، أقوى من الخبر بانفراده . فإذا كان الخبر يقتضي التخويف ، فبأن يقتضي الخاطر ذلك أولى . لكن دعاء الداعي مع ما ينبه عليه من جهات الخوف ، التي يتبينها العاقل ، أقوى لا محالة من الخاطر مع ما يقترن به . لكن كل ذلك لا يقدح في تساويهما في باب التخويف الواقع ، ولا يمتنع أن تتفاوت أحوال الأمارات والأخبار وغيرهما فيما يحصل من الظن عندهما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 395
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩٥