على ما بيّنه الداعي عليه ، ثبت التكليف ، وقد علمتم أن هذه الأبواب التي ينظر فيها الناظر على الترتيب لا تستدرك بالتفكر ؟
قيل له : انما قلنا : متى تنبه بالتفكر في أحوال نفسه على كل ما يجب أن ينبهه الداعي عليه ، ثبت التكليف فيه ؛ وان كان يعرف ذلك من حال نفسه في سائر أبواب النظر أو في الباب الأول ، لزمه التكليف ؛ لأنه قد يلزم ، وان كان بعد النظر الأول . أو ما يلزمه النظر الثاني عند ورود خاطر وداع . فإذا كنا شرطنا في قيام ذلك مقام الداعي ما ذكرناه ، فقد زال القدح . لأنه ان لم يصح أن نبينه على ذلك ، لم يقم مقامه ؛ وان صح أن نبنيه عليه ، قام مقامه .
فان قيل : فما قولكم في الأخرس الأصم الّذي لا يعرف اللغات ولا يصح أن يسمع الكلام ؛ أيجوز أن يكلف ، أم لا ؟ فان كلف ، فكيف يخاف ، ولا تصح فيه طريقة الخوف ، على ما ذكرتم ؟
قيل له : ان شيخنا أبا هاشم ، رحمه اللّه ، قال في المسائل البغدادية فيمن لا يعرف شيئا من اللغات : انه لا يكلف ، الا أن يفكر فيما يرى فيحصل له الخوف ؛ وكذلك الأصم الأخرس ، فنص على أن تكليفه انما يصح بأن ينتبه من ذي قبل فيخاف ، فأما بأن يرد عليه الخاطر والداعي فلا يصح ؛ لأن المعتبر فيهما أن يفهم ما يتضمنا ، / ولا يفهم ذلك الا من يدرك ويعرف المواضعة ؛ فمن لا يدرك أصلا كالأصم ، أو لا يعرف المواصفة ، لا يجوز أن يحصل له التخويف بهما . وقال رحمه اللّه : ان كثيرا ممن لا يسمع الأصوات قد سمع في داخل سمعه ، لأن الآفة ربما كانت حالّة في خارج سمعه دون داخله ، والخاطر من حقه أن يحصل في داخل السمع ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 391
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩١