من تركه ، وذلك الخوف لا بدّ من أن يكون خوفا من مضار تتصل بالدين كالعقاب وكالذم وما شاكلهما ، ولم يكن قد ترتب في عقل العاقل هذا الباب من جهة العادة حتى نشأ عليه واختبره ومارسه كما نمارس الصناعات وتصرف الناس ، فيعرف بذلك المقاصد وتترتب عند ذلك في نفسه / العلوم بالصناعات . فلا بد اذن من ورود أمارة عليه لكي يخاف عندها ، فيلزمه النظر . وتلك الأمارة هي تنبيه الداعي والخاطر ، لأنهما يفيدانه ما يخاف عنده من العقاب بترك النظر ، ويدلّانه على ما ترتب في عقله من الخوف الّذي يجده فاعل القبيح والنقص الّذي يختص به . فإنه لا يأمن من مضرة عظيمة تستحق به ، فيخاف عند ذلك . وسنرتب كيفية الخاطر من بعد .
فإذا ثبت ذلك ، صح أن علمه بوجوب النظر يتبع هذا الخوف . فان هذا الخوف لا بدّ فيه من أمر حادث لفقد العادات فيه ، وأن ذلك الأمر الحادث هو الّذي قلناه .
فان قيل : أفتقولون : ان العاقل إذا تنبه من ذي قبل على ما ينبه الداعي عليه ، أن النظر يلزمه عند ذلك . فان قلتم بذلك ، نقضتم ما قدمتم . وان قلتم : انه لا يلزمه ؛ أزلتم وجوبه ، وان كان الخوف قد حصل على الحد الّذي يحصل عند ورود الداعي .
قيل له : ان شيخنا أبا على ، رحمه اللّه ، قد ذكر في موضع أن هذا التنبيه منه يقوم مقام الداعي في وجوب النظر عليه . وأباه شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، في مواضع كثيرة ، وان كان في البغداديات قد أشار إليه وجوّزه . فالواجب اذن أن يقوم مقامهما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 387
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٧