تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
المبلغ الّذي لا يجوز من الجمع العظيم جحده ، ويجرى مجرى الأمور العظيمة إذا عرفوها . فالأول الّذي ذكرناه يجرى مجرى ما يعرفه كل واحد من العقلاء في بعض الأوقات ، على وجه يغمض مرة ويتضح أخرى . فأين أحد الأمرين من الآخر ؟ وما قدمناه ، يسقط قول من يقول : ان كان المكلف يعرف في ابتداء حال تكليفه وجوب النظر عليه ، فينبغي أن يتذكر ذلك من نفسه وأن يفصل بين تلك الحال وما عداها من الأوقات . لأن ذلك مما / لا يجب أن لا يعرفه ويعرف وقته لا محالة ، كما لا يجب في سائر ما يخطر بباله ويخافه من الأمور التي تعرض حالا بعد حال ؛ بل قد يتذكر البعض منه دون البعض . وكذلك القول فيما قدمناه . هذا وليس يكاد يعرف العاقل على التحديد الوقت الّذي يكلف في الابتداء ، حتى يحصره ويميزه من غيره ، فإنما يعلمه على الجملة . وربما يقوم الظن في ذلك مقام العلم ، فيذكر مما لا يجب أن يزيد عليه ، وليس ذلك مما يقدح في كونه مكلفا ، لأن تكليفه انما يتعلق بأن يعرف وجوب النظر الّذي يخاف من تركه . فإذا عرف ذلك على وجه لا يلتبس ، فقد دخل تحت التكليف وان لم يعرف الأوقات والأحوال ، لأن فقد علمه بذلك لا يؤثر في هذا الباب ، وان كنا لا نسلم في جميع العقلاء أنهم لا يعرفون ذلك ، بل لا يمتنع في كثير منهم أن يعرف على الجملة . وهذا بمنزلة ما نعلمه من وجوب النظر في أمر الطريق إذا خاف العاقل من سلوكه ، وان كان لا يجب عليه أن يعلم وقت وجوب ذلك ، ولا يجب أن يذكره دائما ، بل قد تختلف الأحوال فيه . ولا يقدح ذلك في وجوب النظر والفحص فيه . فكذلك القول فيما ذكرناه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 385 | القاضي عبد الجبار الهمذاني