الادراك ، لا يصح على العاقل السهو عنه مع السلامة ، فكذلك في حال ورود الخاطر والداعي لا بدّ من حصوله ، لأنهما كالطريق ، على ما بينا القول فيه . فأما بعد ذلك ، فإنه لا يمتنع أن يدخل العاقل على نفسه شبهة ، أو يسهو عن ذلك حالا بعد حال ، أو يغلب ما اعتقده من جهة الألف والعادة ، أو يؤثر الراحة والدعة ، إلى غير ذلك ، فتغير حاله ؛ وان كان اللّه ، تعالى ، لا يخليه من الخواطر حالا بعد حال . لكنه إذا كان ممكنا بما تقدم له من إيضاح الطريقة ، كانت الحجة عليه ثابتة . الا أن يكون الوارد عليه السهو أو ما يجرى مجراه . فإنه يزول التكليف عنه في تلك الحال . وقد يجوز أن ينظر فيعرف ما يلزمه ، ويظن مع / ذلك في تلك المعرفة أنها وقعت باضطرار ، وهي انما حصلت عند النظر . لأن العلم بأنها مكتسبة أو ضرورية ، علم اكتساب ، فلا يجب أن يعرفه جميع العقلاء . وفي المقلّدة من لا يبعد أن يعلم جملة ما عليه ويظن في نفسه أنه مقلد ، ويظهر ذلك من حاله .
وليس هذا بأكثر مما قاله شيوخنا في المجبرة ، على كثرتها ، أنها لا تعتقد الكسب على الوجه الّذي تظهره ، وانما تظهر القول لإقامة السبوق ولضرب من الأغراض ، وان كانت لا تعتقده . فكذلك لا يمتنع في بعض المقلدة ما ذكرناه . فالحال اذن ، فيمن خالفنا يفترق ولا يتفق . فلا يجب أن يجعل جحدها دلالة على أن المعرفة بوجوب النظر لا تحصل في مبادي التكليف ، على ما بيناه .
وليس كذلك حال جماعتنا ، لأنا نتبين من أنفسنا أنا لا نعلم الحق أجمع ، ثم ننظر فنعلم ، ونعلم من حال المشبهة والمجبرة ضرورة أنهم ثابتون
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 383
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٣